الحصان بين الفنان محمد غناش و الشاعر امريء القيس ـــــ بقلم : محمد خالد الخضر

اذهب الى الأسفل

الحصان بين الفنان محمد غناش و الشاعر امريء القيس ـــــ بقلم : محمد خالد الخضر

مُساهمة  عزت اسود في الجمعة مايو 29, 2009 4:20 am

تتداخل الصنوف وتلتقي دائماُ على أنها درجة إحساس عالية يتميز بها صاحب الموهبة وتتواصل فيما بينها إلا أن حالة التلقي لابد لها من الاختلاف لما بين الفنون من تباين في طرائق أدائها و تقديمها في طريقة وصولها إلى أعماق النفس البشرية مختلفة لأن بعضها يعتمد على البصر و درجة حدته في تقاطع خفايا اللوحة , و بعضها يعتمد على السمع فيما يجب أن يكون داخل مكنونات القصيدة الشعرية إلى أن الوظيفة و الغاية متقاربة تماماُ ولا سيما أن الفنان التشكيلي و الشاعر كل منهما يحمل في داخله رسالة تؤدي غايتها و وظيفتها في مسيرة حياة الإنسان ليس في عصره فحسب بل على امتداد الزمان و التاريخ .
ولابد لي من أن أوضح دور الطبيعة والبيئة في درجة تكون اللوحة أو النص إذ لابد لهما من القيام بدور مهم في تأسيس بنية تمتح من معين الفلسفة و العلم بيد أن شخصية المبدع بما تهواه خلال القدرة الكامنة في أعماقها يمكن أن تدخل في أثناء الحالة الإبداعية أموراُ ليست بقليلة من ثقافات متنوعة اكتسبها مهارة المبدع الذي بالفطرة يسعى إليها خلال مطالعاتها و رحلاتها و احتكاكه بالناس أو بأبناء نمطه من فنانين وكتاب وسواهم من الطليعة الرائدة تلك التي تعكس قضايا وتحولات النمط البشري خلال تعاقب الأيام المؤدية إلى تعاقب أجيال تختلف تراكيبها وألوانها المعيشية.
ولي أن أستحضر نمطين جميلين من الفنون الرائدة و قد اثبت وجودهما و حضورهما على مر التاريخ و هما : الشعر و الفن التشكيلي.. من خلال خصائص ينفرد بها كل فن عن الآخر مع اختلاف في الأساس الذي هو الوثيقة الخالدة المشيرة بدلالاتها إلى نمط الفنان أو الشاعر , هي الحالة الفنية المنتقلة عبر المؤثرات يوصلها الموهوب حسب موهبته و نوعها .
ينطلق امرؤ القيس في الطبيعة برغم ما في حالته النفسية من نوازع تجعلنا ندرك من خلال ما يتبادله من عواطف مع حصانه الذي هو مكان القوة الاجتماعية السياسية التي يمتلكها الفرد آنئذ , فيتغنى الشاعر بقوتها أو بأسبابها حيث يطلع من كل أشيائه ليشعر القارىء أو السامع أنه أمام حالة لا تتكرر .. يقول امرؤ القيس :
وقد أغتدي و الطير في وكناتها
بمنجرد , قيد الأوابد , هيكل
مكر مفر ,مقبل مدبر ,معا
كجلمود صخر , حطه السيل من عل
دلالة على المقدرة إلى وصول الشاعر مكامن الذات البشرية .
الحالة الضخمة لمكانة الحصار يختلف تقديمها بريشة الفنان إلى أنه من الواضح أن الفنان التشكيلي محمد غناش في درجة شفافيته و صفائه لا يختلف في المبدأ عن الاحتفاظ بالمقومات و القدرة التي هي عند امرىء القيس و بالمرتبة التي هي أسمى , إلا أن الطبيعة وحده الخالق القادر على اختراقها و إعادة صيغتها و ينطبق على الاثنين ما ذهب إليه بيكاسو في قوله :
لا يستطيع الإنسان أن يعمل ضد الطبيعة إنها الأقوى ومن المفيد حقاً أن نكون على وفاق معها .
لأن كل القدرات العقلية التي يمتلكها امرؤ القيس وتقديمه صورة الحصان على أنه يساوي صخرة كبيرة أنزلها السيل من مكان شاهق فالصخرة أضعف من الجبل وامرؤ القيس كان مضطراً أمام موهبته ليقدم شعره في هذه الحالة خلافاً للواقع الذي كان روي قصيدته فيه مكسوراً بيد أن الحقيقة هو مقطوع عن الإضافة ولابد من أن يكون مضموماً. و يتوخى الفنان التشكيلي محمد غناش الحذر أكثر من الشاعر في تقديم صورة الحصان محاولاً مزج الإحساس بمكونات الطبيعة المحيطة ليخلق في نفس من يرى اللوحة هدوءاً و طمأنينة و استقرار برغم التصاق و الحالة بالصحراء و أشيائها التي تدفع الإنسان في الواقع إلى البحث عن الأشياء تبعث في نفسه الأمل كالورد و الريحان و النسيم في الظهيرة و الابتعاد عن الغبار و سوى ذلك , بيد أن الفنان التشكيلي غناش بدا بإحساسه و براعة ريشته قادرا على زرع الهواء في لوحته حيث يمتلىء الحصان بالشموخ و الإباء و يدفعه لإظهار كل مقومات الأصالة العربية وهو يلتفت إلى البعيد في وقفة أبية مليئة بالتحدي على أرض ثابتة مرت عليها خيول الجدود و عاشت بين آلامها قبائل
الأهل.

حالة قريبة جداً من الواقع تحرك الشجن في القلب وتوزع العواطف على الدماء,ولكن الشاعر امرأ القيس في إبداعه لصورة الحصان وحالاته النفسية :
كميت ,يزل اللبد عن حال متنه
كما زالت الصفواء,بالمنتزل
تجعلنا ندرك أن العلاقة بين الكون والإنسان هي مصدر من مصادر الإبداع المهمة في الكون عصي على الجفاف والشاعر بالمقدرة يمكن أن يأتي بأجمل الطرق لإدراك غايته في سعية, إذ هو ليس بقاصر أبدا عن الخلود ولعلنا نميز بين الحالتين النفسيتين فتختلف الحالة أمام صورة امرىء القيس التي بدا عليها الاضطراب رغم قوتها وبراعة مبدعها .
ولعلني أرى أن ثمة ثقة بالنفس أكثر رسوخاً عند غناش في لوحة الحصان من امرىء القيس الذي يذكرني بمحاولة دائمة لإثبات الوجود من خلال وصفه حصانه علىنه أقوى من كل شيء حوله في الطبيعة يقول امرىء القيس :
على الذبل جياش , كان إهتزامه
إذا جاش فيه حميه , غلي مرجل
أما التشابه في مستوى الكشف عن نفس الفنان والشاعر من خلال القصيدة واللوحة فهو كبير بل ومتطابق جدا ًفحصان امرىء القيس يظهر على أن نسبة الإباء منسحبة من أعماق الشاعر لتظهر في الحصان فهذه القضية ليست من اهتماماته وسائر أعضاء المعلقة تكشف ذلك ولا يعني أبداً أنه يمتلك كل مواصفات حصانه لأنه سخر كل قدراته على المبالغة بوصفه , شأن الخائف الذي يفخر بقوة خاله أو عمه أو أخيه ,إشارة أيضا إلى محيط اكتسب منه ثقافة مجتمع أو بيئة لتعبر عن وعي بمحيط أراد ذلك ,إلا أن غناش اقترب من الواقع و المجهول في طرحه أحاسيس نشأت بالفطرة في داخله من خلال تمازج صرا عات سيطرت عليها متمكنا بموهبته من الإمساك بالاختلاجات النفسية و تقديم النماذج إلى الساحة الشاغرة في دمائنا التي مؤداها إدراك البعد الثالث الذي لا نمتلك القدرة على لمسه .
و يظهر ذلك من خلال وجود السماء و الصحراء و الحصان و السجادة و المكونات الأساسية اللونية و الضوئية و النفسية حيث تماسكت ألوانه و قدمت تاريخا سمعنا عنه و لم نرى منه إلا ما وصل إلينا عبر الزمن على أن تطور الإنسان في منظور فناننا التشكيلي محمد غناش لا يشار أليه إلا من خلال مضمون يجب أن يقدم لنا أكثر تعقيداً و نجاحاً لمواكبة تطور الحياة , و حضور تلك السجادة مقابل شموخ الحصان يهتم بتوازن سيطرة على اللوحة بشكل كامل فيه القوة و الاتزان و تتجلى الحالة النفسية في الوضوح الكامل على زرقة السماء المتماسكة مع تساوي علوها بعنفوان الحصان الواقف على أرض صلبة على أمور ربما خيل إلى أصحاب الريشة أنها سهلة إلا أن الامتناع حليف الكثيرين مما يحاولون الغوص فيما يجب ألا يغوصوا فيه ..
تلك الألوان الصريحة الصاخبة التأثير السيكولوجي القوي تؤثر فينا بقدر ما يمتلك من ترابط مع العين التي تكتشف دقتها الأشكال و الخطوط و محاور الموهبة التي ترتكز عليها اللوحة و ثمة ألوان أوجدها غناش تداخلت على شكل الحصان أعطت مع الألوان الأخرى مساحة الروح الفنية و إدراك سليم لمقومات الحالة الإبداعية التي يجب أن تكون عند ما يكون الفنان قادراً على تقديم مادته عكس ما نرى اليوم من أشياء تجعل الكثيرين من مدعي الفن يخرجون من الحمام و يضربون يميناً و شمالاً فيجدون من فراغ الضياع من يقول لهم : أنتم فنانون ليصبوا شركائهم في تهديم ثقافة أمة تكونت عبر مراحل زمنية ليست قليلة ولعل في اعتماد غناش على الأداء الواقع الرفيع ما يقدم لوحاته لعيوننا و كأنها أشياء قريبة من السحر مشحونة بالفن و الجاذبية لأداء واجبات تخصنا و تهمنا معبأة بالأصالة و ممتلكة لجوهرها الحقيقي .
و يبقى للتربية بأنواعها و المؤثرات دور بارز فكثير ما أوقعت فنانين كبار بهلوسة الخيبة فأصبحت تلك الهلوسة شيئاً من نظام يستشهد به ضعاف اليوم فلا يعني أبداً أن نمتثل لما فعله "ماتيس" عند ما رسم التفاحة بالأزرق و هي الحالة التي سوف تربطنا بها إذا كان الفنان يقدم ما ليس لنا رابط به فلمن يرسم إذاً , هذا قد تمكن غناش من أن يتصالح تاريخنا مع الجميع ليبقى معنا في أحوالنا المستمرة و نعود إلى القصيدة التي كانت محور المقارنة النفسية و الشكلية لنذكر بيتنا يقول فيه امرؤ القيس :
مسح , إذا ما السابحات , على الونى
أثراً الغبار , بالكديد , المركل
لنرى أن الصورة التي قدمها لنا تختلف عن الصور الأخرى فها هو ينتقل في حصانه من شكل لآخر و إن كانت الحالة النفسية جعلته لا يستقر أمامنا إلا أن الانتقال في الصورة كان أخاذا مع انسياب الحروف الصحيحة و المعتلة و إيقاعاتها مع البحر الطويل في مقارنتنا التي تظهر مدى أهمية انعكاس حالة الشاعر و الفنان على عمله إلى قولي : إن ما قدمته ليس قاسياً فهو أنموذج لشاعر عبقري و فنان لا يقل عبقري في موهبته دون تحويل ما ذهبت إليه أنظمة فربما يتفوق في داخله فنان على شاعر و العكس صحيح , هذا وقد تفوقت الحالة النفسية في رؤيتي لحصان محمد غناش على الحالة النفسية لرؤيتي حصان امرىء القيس التي زعزعت ثقتي بها حالات في بقي ة مواضيع القصيدة التي أثرت على التوازن الموضوعي المختل في القصيدة و الكامن تماماً في لوحة محمد غناش .

عزت اسود

المساهمات : 8
تاريخ التسجيل : 24/05/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى