الشجرة بين الفنانة سميرة بخاش و القاصة غفران طحان ـ محمد خالد الخضر

اذهب الى الأسفل

الشجرة بين الفنانة سميرة بخاش و القاصة غفران طحان ـ محمد خالد الخضر

مُساهمة  Admin في الأحد مايو 30, 2010 1:25 am

الشجرة بين الفنانة سميرة بخاش و القاصة غفران طحان

مقارنة نقدية بقلم : محمد خالد الخضر




يقول هارتزنغ : " توجد فكرة أولية في مخيلتي , فانا قبل و أثناء العمل " .

هذه إشارة و دلالة على أن الإحساس المدهش عند الرسام " الفنان " يمر عبر الوعي في عقلية الفنان و إدراكه و ما يقدمه هو ارتكاز بشكل جلي على أسس الحياة اليومية , و ما ينجم عنها من انعكاس يتلاءم مثلا مع اللون الرمادي الذي يعكس آخر درجات الصمود للشجرة أمام الرياح العاتية و هي تصر على البقاء أمام أسرار الطبيعة و قوتها بما تحتويه من أشياء خلقها الله في خدمة العقل البشري .

و الفنون تعبر عن تحكم الإنسان العالي بانفعاله و إدراكه الذي تضعه القوة الخارقة بإبداعه المميز فالشجرة الساكنة على ضفة البحيرة من خلال ألوانها و شكلها المتصدي للرياح تعبر عما يطالعنا , و إن كان النتاج الفني ناجحا يبقى حينها اضعف بكثير من الواقع , إلا انه ربما يكون أنقى و أصفى , فهو عصارة جوهر ناتج عن إحساس و ثقافة حيث الواقع تشوه كثير من أشياءه

علما منا انه من إبداع يد الله التي لا تقارن بيد أن الإنسان لم يحافظ على معتقداته فعاث بها تخريبا وصولا إلى مبتغاه الكامن في نواياه المختلفة ... هذه الدلائل التي استوحيتها من شجرة سميرة بخاش و التي ربطت انفعالاتها ضمن الكوامن العقلية الموجودة في المجتمع , و لاسيما أن لوحتها ترسم المعطيات التاريخية و مقدرة الكائن على البقاء فيما إذا تشبث بجذره و حافظ عليه فوق ذلك المستوى الاجتماعي المتنامي صحيا فبرغم انهيار ما هو على الشجرة إلى درجة التعري فكينونتها الحقيقية ظلت باقية أمام المطاف الذي يصل إلى النهاية .

و في قصة غفران محمد فوزي طحان " شجرة تخشى ظلها ... " .

تكتب غفران قصتها بلغة شعرية باذلة جهدها في انتقاء ألفاظ و تراكيب تخرج من إطار القص التقليدي لتتلاءم مفرداتها مع متغيرات العصر الحديث أو لتسير إلى المجتمع كي يحاول التمسك بأعظم مناقبه و أحسنها , ربما كانت هذه القصة أحداثها في ساحة شعورية .. غفران ذاتها هي البطلة الحقيقية لها , و لا يضير ذلك لان الشجرة الباقية أمام تحدي الرياح عند الفنانة سميرة بخاش تعترف بفضل جذرها ولولا جذرها الراسخ في الأعماق " لكبتها " الرياح في البحيرة المجاورة التي تلعب الغيوم دور كبيرا في وجودها .

و الشجرة عند غفران طحان هي ذاتها الإنسان الذي يتطور على يد أساتذته و من المفترض أن يتجاوزها علما و ثقافة حتى تزداد الحياة و الطبيعة روعتا و جمالا , و عندما اقر الأستاذ بان طالبته تجاوزته و زادته تطورا و قدرتا على الإبداع .. وجد في قلب الطالبة أو الأديبة شيئا يولد فيه حب كبير شبيه بالعشق الشفيف الذي صورته غفران أمامنا و كأنه لوحة لا يرغب الإنسان أن يبتعد عن النظر إليها نظرا لما فيها من شجن و عواطف و أحزان ترفع مستوى الإنسان إلى مكانه الحقيقي أمام الضياع الناجم عن حياة متهرئة في زمن متراجع .. و تعمل غفران على انتقاء المفردات المؤدية إلى جمل شاعرية فتقول : " كنت اذهب إليه بأوراقي المسودة , و أتوارى خلف سواد نظارة تعتلي ضوء عيني .. ارقب من خلالها أنفاسه و هي تتلاحق تباعا بين الأسطر .. فإذا طالت الجملة خشيت عليها أن تضيق , و عندما يبرق بياض الأسطر الفارغة .. يتنهد بعمق .. يرجو الراحة لأنفاسه .. فيسعفها بروح سيجارة تنام بين إصبعيه .. " .

و لعل القارئ يدرك هنا أن الكلمة ليست مجردة أداة للتعبير حيث تمكنت القاصة أن تحولها إلى لغة ثم إلى جوهر أدبي مليء بالقيم و دالة على هوية , و تشتغل بموهبتها على متابعة الحالة النفسية للقارئ من خلال السرد الحواري الذي كونته بعفوية يجعلنا أمام لوحة فنية و نحن نستمتع برؤية أستاذ الأديبة وهو يقرأ السطور و يدخن سيجارته وبرغم ابتعاد السيجارة عن كل نفع فالكاتبة أعطتها منظرا جميل دون التطرق إلى ما وراء أشيائها , علما أنني كنت أتمنى أن لا تصفها أبدا و تجعلها لوحة بهذا الشكل المغري للرؤية و التبصر .

ولعل الفنانة سميرة بخاش في أعماقها شيء لا يخلو من الحزن و الثورة على حاضر فاسد في رؤية منها أن هذه الشجرة الدالة على البقاء و التحدي هي أكثر شفافية و أكثر نقاء , ولعلها أيضا من خلال استخدام الألوان الأسود و الأخضر و الأبيض تجعل الآخر يتخيل أنها أشياء قادمة من اللاشعور .. و أنا لا أنكر أبدا أن اللاشعور يلعب دورا بماهية الموهبة إلا أن المعرفة و الخبرة و التجربة و الانتقاء أشياء تلعب دورا هاما أيضا في إعطاء اللوحة مدلولات أخرى و تباشير جديدة , فهنا الطبيعة تتحدى و عندما رسمتها كانت تعمل بمزيد من المعرفة و التبصر و الانتظار و الحسية العالية عبر موروث استمدت من أسسه المقدرة على المشاكلة و الاستمرار .. ربما هذا الموروث هو الذي تدخل في كينونة الموهبة التي تجعل الفنانة أمام سطح لوحتها راغبة بالرسم .

و ثمة أمر تتوافق فيه الاثنتان سميرة و غفران هو الحرص على إقناع الآخر بالعمل الفني سواء أكان لوحة أو قصة و أرى في عمليهما أن العلاقة بين البعد الثالث و بين من يرى اللوحة يقرأ القصة موجودة تماما , و هناك حرص على وجود المقاييس التي تحافظ على إحساس اللوحة أو القصة بالمجتمع و العكس موجود أيضا , كما أن اللوحة كانت دائمة موحدة ملمة بالألوان و الإشكالات و التقاسيم , و القصة وفقت بين الشكل و المضمون وفق الحالة أو القضية المؤثرة و المنبثقة من ذاتها و عواطفها و شجنها محرضة على البقاء و الثبات و الالتزام بالقيم و الاعتراف بالجميل ليبقى الوطن جميلا و لتبقى الأشجار باسقة , فلا يمكن أن تتخلى الشجرة عن ظلها ولا يمكن أن تتخلى عن جذرها هذا محور أساسي في قصد الفنانة و الأديبة .

تقول غفران طحان في قصتها : " مازال يشغلني هاجس أنفاسه .. اكتب له وحده .. اترك بياض الأسطر يعتلي صفحتي .. عله يشغله بتنهيده .. ورشفات من فنجان قهوة يغني صبري .. و أدأب على حفر نقاط الصمت بفوضى بين السطور .." .

و أقول لقارئي العزيز بعد قراءة النص أو قبل إذا تبصرنا قليلا في لوحة سميرة بخاش نجد أيضا أن كلاهما يقدم قيمة ثابتة إلا أنها تمتلك أحاسيس و العواطف واضحة تماما تتغير و تتطور باستمرار إلى حد بمقدور أي إنسان حقيقي أن يتلاءم و يتأقلم و يتفاعل مع هذه القيم , و أن هذا السر الذي هو مقياس المقدرة على الرسم أو الكتابة يميز من يمتلك الموهبة عن سواه و بمقدورنا الآن أن نقارن تماما بين اللوحة و القصة لندرك أن سميرة بخاش ترفض السقوط أو الانهزام أو الاختباء و أن غفران طحان تدعو لاحترام الانتماء و استمرار العطاء و العرفان بالجميل و لعل الرمز الرابط بين الاثنتين يشر إلى أن العطاء غير آيل للسقوط و سيما إذا كان هذا العطاء طيبا و كريما و يؤدي إلى المصلحة و المنفعة الإنسانية و الجدير بالذكر أ، معظم ما اشتغلت عليه غفران يستذكر الماضي و يعود إليه و يرتكز على فعل ناقص هو " كان " و اذكر بشيء هام أن الكاتب عندما يرتكز على هذا الفعل يعني انه يصرخ بالحاضر ليقول للإنسان : عليك أن تحافظ على استمرارك بشكل أصيل و لا تنسى أبدا أشياءك الغالية و تلتقي تماما مع الفنانة سميرة بخاش في أن الشجرة هي رمز أجمل لإنسان أجمل .

ولابد لنا من أن نستذكر ما يلي :

يقول فلوبير : " فكرة كتابه التربية و العاطفة قد أتته و هو يمشي وراء جنازة في ( روان ) فهذا ليس موضوع بقدر ما هو حالة فكرة " .

و يقول بول فاليري : " أن الفن الأدبي مثل سائر الفنون يفضل أن يتوجه إلى الانفعال " .

و جميل أن يتمن الفنان و الأديب من أن يصنع من انفعالاته شيئا خالدا يفيد الإنسان و يمسك بيده على مر التاريخ و الأزمنة .


Admin
Admin

المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 02/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkhaled.yoo7.sy

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى