قراءة في نجوم في ليل طويل لرياض عصمت - بقلم : محمد خالد الخضر

اذهب الى الأسفل

قراءة في نجوم في ليل طويل لرياض عصمت - بقلم : محمد خالد الخضر

مُساهمة  Admin في السبت فبراير 25, 2012 3:52 am

نص لم يتقيد بقواعد وأنظمة...الدكتور رياض عصمت في مسرحيته (نجوم في ليل طويل)



حلب
ثقافة
الأحد6-3- 2011
محمد خالد الخضر

الأدب المسرحي جنس أدبي مهم من المفترض أن يؤجج في أعماقنا العاطفة والانفعال حتى يتمكن من الوصول إلى غايته السامية ودوره الأخاذ في العمل على تنمية الحس الراقي في المجتمعات الإنسانية وتخليد تطلعاتها عبر التاريخ الذي أقر من خلال تراكماته الثقافية بأن المسرح هو أهم ما يبدعه الإنسان إذا استطاع أن يصل برقيه إلى ترجمة ما يصبو إليه بعيداً عن الأساليب التي من شأنها أن تدفع الإنسان إلى كره الأدب ..

الأديب الدكتور رياض عصمت وزير الثقافة واحد من أهم كتاب المسرح الذين تمكنوا من جعله حياً يعيش بمواقف ثابتة بعد أن تصاعدت أصوات تمكنت من أخذ الأمكنة التي لا تستحقها مكونة موادها المسرحية من فتات الحكاية الشعبية, وبرغم كل هذا يتفوق الحس الوطني ويبقى الإنسان المقاوم في الطليعة مهما كان الآخر قوياً ومهما كانت المغريات كثيرة .... النجوم الحقيقية هي التي تعيش في التاريخ مؤدية دورها الطليعي في الدفاع عن حقوق أهلها وناسها .‏

أما نزعة الأخلاق يجب أن تتفوق مهما كان الإنسان منحرفاً : هكذا يريد كبار النفوس وأصحاب الأرواح الشفافة والمجنحة وهكذا يريد رياض عصمت من خلال شخوص مسرحيته : فاللصوص يرون أن سرقة الأرملة زوجة الشهيد الذي قتله الأعداء شيء مغلوط فالقيمة الأخلاقية والوطنية سرعان ما تتجلى منذ أن دخل الكاتب إلى عالم مسرحيته نجوم في ليل طويل حيث بدأ التشويق منذ اللحظات الأولى خلافاً لعمل الكتاب والمسرحيين الذين يرهقهم العمل حتى يتمكن واحدهم الوصول إلى الحبكة التي هي ذروة العمل الأدبي، أما رياض عصمت استطاع أن يبدأ الانفعال والصراع الدرامي منذ أن بدأ اللصان حوارهما حول سرقة المنزل المقابل مُحلياً حواره بالعاطفة الشعرية التي تجلت بوصفه لمريم الفتاة التي كساها الحزن والكآبة بعد أن فقدت زوجها الشهيد .‏

وهنا لابد لي من تفسير معنى الدراما لأنني وجدت تفسيرها مغلوطاً وتناولها ليس بمكانه فيتكرر على ألسنة الممثلين والمخرجين وكتاب السيناريو دون فهم لمعناها الحقيقي الذي تمكن الكاتب في مسرحيته (نجوم في ليل طويل) من أن يكون رائدا من رواد الدراما المظلومة التي من شأنها أن ترفع قيمة المسرح والدراما العربية إذا أنصفت .‏

الدراما:هي لفظة إغريقية لغة واصطلاحاً وهي الحركة والصراع ويصل معناها القديم إلى الاصطدام أو المعركة وليست عنواناً للتمثيل أو اسماً له ودخول الدراما منذ بداية العمل المسرحي أكسبت مسرحيتنا الآن صفة مميزة وهذا ما رأيناه في حديث اللصوص والشباب ومريم في حالة يتمكن الكاتب فيها من إعطاء الغاصب والمحتل صورة رديئة تزرع كرهه في قلب من يقرأ ويرى.‏

فلابد له من أن يحرك الخط البياني للدراما المكونة من إحساس نبيل خلال الحبكة المتكاملة منذ أن بدأ عمله في الحديث الذي يدور بين جابر وعارف ومريم ليبين عظمة الشهادة أمام حزن مريم ويأسها ومحاولة إقناع مريم كي تستمر في النضال أمام قوة اليأس التي تقتحمها.‏

ويعتمد الكاتب في بناء مسرحيته الحركة الدرامية القوية المتناسقة مكوناً حدثاً رهيباً يبعث في قلب الإنسان عواطف متدفقة متمكناً من مزج الأسلوب المسرحي منذ أن وجد الإنسان مروراً بعصور مختلفة عبر الأجناس والأنواع البشرية وصولاً إلى المسرحية الحديثة معتمدا على توازن الزمان والمكان والموضوع والفكرة والهدف والرؤية من خلال كتابة يوسف كلمة (حرية) على اللوحة بعد أن سقطت خارطة الوطن العربي بحجمها الكبير من الخلف ... وصراخ مريم أمام مقتل يوسف.. كما يتميز الحوار الدرامي بحفاظه على موضوعيته وواقعيته محركاً حواس الإنسان لأنه تمكن من الجمع بين الشعر والغناء الحزين والموسيقا والتصوير كأنه قد وضعنا أمام حالة نراها ونتأثر بها نبكي معها ونصفق لها ونعيشها بإحساسنا وجوانحنا وهو ينتقل بين أنواع الأدب ليكوّن من مسرحيته نصاً إبداعيا متفوقاً يكون رصيداً لوطنه وشوكة جارحة في أحلام عدوه.‏

لقد وجدت أن النص المسرحي الذي أبدعه الدكتور رياض عصمت لم يتقيد خلاله بقواعد وأنظمة لأن الآخرين قدموا تجارب مسرحية لم تتمكن من إثبات وجودها كان الشعور بالنقص يراودهم وأعمالهم المميزة التي طبل لها الكثيرون كانت حكايات شعبية نقلت إلى مسرحيات وعلى سبيل المثال مسرحية (الفيل ياملك الزمان) وعنوانها في الحكاية الشعبية في ضيعتنا (الجمل يا بيك الجمل) ومثلها أمثلة كثيرة طبل وزمر لها وأصحابها يدركون تماماً أن الآخر يتفوق عليهم، إلا أن مسرحيات رياض عصمت اعتمدت على نبض الإنسان المتغير عبر الأيام متجاوزة التجربة متوصلة إلى القارئ العربي أمام تصاعد اللغة وتفوقها على اللهجات وهي تشتعل مع الحوار في تتابع الحركة والعاطفة عند دخول العجائز إلى عالم المسرحية في اللوحة الثالثة ودخول الفتاة والفتى في اللوحة الرابعة مبيناً أن الوطن أسمى من كل شيء حتى من العشق ومن الحب.‏

ولعل الكاتب أدرك أن المسرح هو من أبقى الفنون إذا ما تمكن من الحفاظ على خصائصه حيث يقدم للكائن البشري غاياته المنشودة وهو يتغلغل في وجدانه هذا ما استطاع فعله رياض عصمت وهو يكمل لوحات مسرحيته حيث مزج العاطفة والشعر في اللوحة الخامسة والسادسة كما أثبت أن المسرح بمقدوره أن يتضمن كل الأجناس والحكايات والأغاني والأحلام لان كل لوحة قد تعكس قصة أو رواية وهذا يظهر في حوار الفلاحات ومريم والشاعر.. فثمة قصة تكمل في اللوحة وقصائد تفور في الأحاديث المتبادلة لتكون خاتمة رواية عنوانها ومحتواها الوطن.‏

ولابد لنا من توضيح شيء مهم أيضاً وهو أن الحبكة تستمر وتجعل الأحداث مترابطة في هدفها ومعناها وهي تتسامى في تسلسل عاطفي مستمر التشويق والإثارة , ويبقى الصراع والحدث في الذروة مخترقاً قواعد الحبكة حيث استطاع أن يشعلها منذ البداية إلى النهاية , فالعاطفة عنده تسوقها الموهبة لتأدية الدور الفني فلنقرأ الحالة النفسية عند مريم في اللوحة الثامنة خلال حوارها مع جامع الجثث وهي تعجب كيف يخون الإنسان بلاده بعد خروجها من مساحة الحزن إلى حب الوطن وفي حوارها مع جاسر في اللوحة التاسعة وهي تساعده بتضميد جرح عارف المصاب في المعركة مع الأعداء حيث عادت مريم إلى حسها الحقيقي ووعيها الوطني, ومن شأن الكاتب أن يحافظ على القيم الإنسانية المتضمنة للعزة والكرامة والغيرة على الوطن محافظاً على جمال الصياغة وقوة التعبير حتى يحافظ على بقاء عمله الأدبي كما فعل رياض عصمت بغية أن يكون الإنسان رافضاً للاستسلام محافظاً على كرامته على مر الزمن والتاريخ , ولعل الغاية القصوى التي تحقق نجاح العمل الأدبي هي أن يترفع الكاتب عن الخلط والتنظير الفارغ فيتمكن من العمل على عكس الواقع الاجتماعي الذي أنتج من خلال عمله, لذلك تحدث الكاتب بلسان بطله في اللوحة العاشرة حيث بين أن الموت من أجل الوطن هو من أجمل القيم وأسماها فأعاد شبح يوسف ليزرع في النفوس حب الوطن والتمرد على الظلم واعتبار الموت في سبيل كرامة الإنسان ووطنه شيئاً جميلاً كما أن الإنسان من المفترض أن تزداد قوته كلما تعرض للظلم والنوائب, ولعل أجمل ما أتى به في مسرحيته تلك الكلمات المليئة بالشعر والكبرياء والمفعمة بالإحساس والإباء وهذا خلال الحوار بين شبح يوسف الشهيد وزوجته مريم. لقد حافظ بامتياز على خصائص المسرحية ومقومات الحبكة العاطفية ليدخلنا في نشوة المتابعة وحرارة الإقناع التي تتغلغل مشحونة بروعة القص الواقعي متمكناً من الحفاظ على موهبته المتمكنة من جعل نصه متوافقاً مع رؤية المجتمع للمسرح بعيداً عن الانزلاق وراء الشهوات المغرية التي أخذت كثيراً من الكتاب للهاث وراء مغريات الزمن الحديث, فهو عكس الغالبية : ديدنه الأرض الغالية وشعبها الجميل وأشجارها الوارفة.. لم ينزلق أمام الضياع القادم من الغرب أو سواه برغم أنه عرف الكثير من الآداب الأخرى ومن الثقافات المتنوعة.‏

لذلك أصر أن يختتم مسرحيته بطلوع النهار وبصوت يوسف ليربط المرأة بمقومات الكرامة ويبعدها عن متبدلات العصر, فالرجال لا يموتون والنساء يجب أن يكن بمستوى الكبرياء فمن أجل كرامتهن استشهد يوسف وعليها أن تعرف المعادلة وتدرك التوازن .‏

كاتب مسرحي لا يطلق حكمه إلا بعد أن يرى ويقتنع ويعشق وينتشر عبير الحالة وغير ذلك لا يعني له شيئاً.‏

فالنجم الحقيقي هو تلك القيمة العليا ولا شيء يعادلها مهما كانت المقايضة ثمينة

Admin
Admin

المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 02/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkhaled.yoo7.sy

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى