بين ديوان "لو تعرفين" للشاعر توفيق أحمد ... وديوان "الدفتر البري" لبديع صقور - بقلم ؛ محمد خالد الخضر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بين ديوان "لو تعرفين" للشاعر توفيق أحمد ... وديوان "الدفتر البري" لبديع صقور - بقلم ؛ محمد خالد الخضر

مُساهمة  Admin في الأحد مارس 04, 2012 5:41 am


عب جريدة الجماهير

يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حلب

بين ديوان "لو تعرفين" للشاعر توفيق أحمد ... وديوان "الدفتر البري" لبديع صقور



حلب
ثقافة
الثلاثاء2-2-2010
محمد خالد الخضر

عندما نفكر بدراسة شاعر وتشريح قصيدته أو معرفة البيئة المكونة لهذه القصيدة بغية الوصول إلى الأهداف الكامنة في أعماق هذا المبدع لنصل إلى مبتغانا أمام مادة أخاذة لعبت دورا" أكبر أمام إنسان ينظر بعين التقدير إلى صاحب هذه المادة كونه جاء بشيء لا يتمكن الإنسان العادي بالمجيء بمثله0

من هنا علينا أن ندخل بمسبارنا الفني إلى أعماق هذا الشاعر الإنسان والعمل على فهم الأشياء المتراكمة عبر الأيام والأزمنة والمتغيرات والتطورات التي وجدت في أحواله ونوازعه على ضوء تكوينه الفكري والثقافي وما ظهر على هذا التكون من أثر لا يمكن إنكاره أو تجاهله بالإضافة إلى البيئة وما تحتويه في لعب الدور الأكبر وهي تضع الجوهر الأساسي لشاعر سوف يكون لاعبا أساسيا أمام التاريخ لاسيما وأن القصيدة انعكاس لا مفر منه لبيئة ومجتمع هما أبطالها الحقيقيون وإن خرجت القصيدة عن ذلك فهي ستكون أشبه بهراء لا يقدم ولا يؤخر كما أنه لا يضر ولا ينفع إلا في هدر وقت كان الأجدر أن يستغله الإنسان في أي شيء يفيده إذا كان لا يتمكن من تقديم الفائدة لأهله وقومه 0 إن الموهبة متوفرة تماما في مجموعتين شعريتين سأقرأ فيهما قليلا محللا ما أمكن لقارئ عزيز قد يذهب معي إلى عالمين مختلفين في طريقة تقديم القصيدة وإن كانت العاطفة هي الدافع الأساس لكتابة المجموعتين فهي موجودة ومتماثلة إلا أن الحياة الاجتماعية والبيئة المكونة لابد من أن يكون لهما أثرهما المغير والمختلف في مجموعة توفيق أحمد الشاعر الذي يكتب قصيدة العمود في وقت يتعرض فيه هذا الشكل من الشعر للانقراض إثر رحيل عمالقته، وهذا ما عبر عنه الشاعر خالد أبو خالد في تقديمه للمجموعة حتى يشتغل الشاعر على قصيدته أمام تراكمات جعلت الحداثة مكونة من الأصالة والمعاصرة في وقت كان من واجب موهبته أن تحتضن في مداها البيئة والطبيعة وما تفرز من ثقافات وحالات اجتماعية ليطلع إلى نتيجة بوسعنا أن نقول فيها إن الشاعر توفيق أحمد تمكن من الاستقلال الإبداعي أمام التدفق الشعري الذي اعترى موهبته وهو يقول: أنا قادم أجتاح باسمك عالما" فهل أنت بحر ماج أم نجمة تهوي رعى الله هذا الشعر أرخت عنده بقية ما في البال من زمن حلو خذي كلماتي حسبها أنت خمرها وأخشى عليها حين يسكرني صحوي ولا يخفى على القارئ المتمكن أو الناقد أن انتقاء الشاعر للبحر الطويل في هذا النسيج العاطفي المهم هو تحد أمام ناصية الكتابة التي من شأنها أن تعترف بأن هذا الزمن بات صعبا" أن تطلع إلينا قصيدة على هذا البحر وتمتلك هذا الروي وتلك القافية 0 بيد أن المجموعة الثانية التي كتبها الشاعر بديع صقور اختلفت في الأسس والمقومات فيما امتلكه الشاعر من إرث ثقافي كان قد طرز موهبته بأحلام وآمال أخرى أخرجته عن المألوف واعتمدت على حدسه الطالع من البيئة الحضارية المؤلفة من حاضر مرير اقتطع منه قصيدته ليعمل جاهدا" في إثبات هويتها التي شاهدنا واغترفنا منها وهي تنقلت من غموض حطم سواها وألقى بها في غياهب المجهول ولابد للساحة الشعرية من تداعيات واختلافات وتباين حتى ينبهر القارئ ويعود ليرى ما يجب أن يتلاءم معه في زمن التراجع 0 يقول الشاعر بديع صقور: ذات مساء بعيد .. ذات ليلة .. آخر الحياة 00 ستظل نجمة واحدة تضيء هذا الكون الرائع الجميل00 ترنو إلى قبر معشوشب تحت شجرة باسقة ... ذات مساء بعيد 0 ويبدو كما أسلفت أن للبيئة دوراً في اختلاف البنى المكونة للشعر وتكوين أسس المواهب على أنها مرتكز أساسي في قيام الاختلافات بينها وفي تكوين صورها وأفكارها ولغتها وانعكاس ظروفها إلا أن الحالة النفسية وفق ما يسعى إليه الأديب الموهوب تختلف من واحد لآخر حسب المعطيات الوجدانية والعاطفية وهذا ما يجعلنا نرى اختلافا" كبيرا" بين شاعر وآخر في أمة واحدة أو بيئة واحدة تبعا" لحالات الفرد الخاصة وأثر حركة المجتمع في أعماقه وهذا ما يجعلنا نقرأ اختلافا" جذريا" في طريقة تكوين القصيدة عند الشاعرين بديع صقور و توفيق أحمد ... يقول توفيق : طفل أنا أخطو ولي لعب أفق ترامى فوقه السحب وغمامة تبكي وسفح شذى ألقا" على الأفاق ينسكب برغم أن الباء المضمومة غالبا"تستخدم للقصيدة الوطنية أو الثورية استطاع الشاعر أن يوظفها تماما" لحالة عكسية رقيقة تتسع في حناياها وثناياها كل المسافات المنشودة والمدى المقصود في انتقائه لبحر آخر يستخدمه الشعراء لأغراضهم المتنوعة وهو البسيط يقول: وهج المسافة جن في جسدي في كل ضلع جامح يثب ومن الواضح أن الحالة الشعورية ثابتة لا تختلف عند الشعراء وإنما يختلف الأثر البنيوي الذي يلعب دوره في تقديم شكل القصيدة ومعطياتها ولابد من تباين واختلاف الصعوبة أو طبيعة استقبال النص الشعري عند القارئ يقول بديع صقور في حالة مشابهة: كآبة مزمنة تستوطن وادي (إليكي) تترقب قدوم الأطفال في الصباح000 وهم يحملون حقائبهم المدرسية000 يغنون لها قصائد الطفولة 000 تردد معهم لحن مقاطع من أشعارها000 التي ينتشر صداها بين التلال وبين الصدور0 وعلينا أن ندرك تماما" أن لكل شاعر جوهراً يحمل أشياء مختلفة يصعب معرفتها بشكل كامل مهما حاولنا,وهذا الجوهر يجعل الشاعر مختلفا" عن سواه وهذا ما يسمى (العبقرية الفردية) على رأي الشاعر الكبير حامد حسن وهذه العبقرية تمتلك القوة والأجنحة في اجتياز كل المسافات مما يجعلنا نقول: إن الشعر ليس (وضعياً) وهو الذي مزق المسافات والحدود والمقاييس وعلينا أن ندرك تماما" أن التشابه صعب ومستحيل في امتلاك هذه القدرة الفائقة كما أنه مؤطر بالذاتية وإن كان هذا الإطار بعيد السعة إلى حدود اللانهاية وإننا إذا رجعنا إلى قراءة كتب التاريخ الأدبي ونقاده نجد أن أبا العتاهية اعترف بالفارق بين بيئتي الشعر في العراق والشام كما قال الفرزدق لعمر بن أبي ربيعة عندما أنشده شيئا" من شعره :أرى شعرا"حجازيا"0 أن أنجد أقشعر وهذا ما يجعلنا نقف أمام تبدل الحالات الشعرية عند واحد من فحول شعراء الجاهلية الذي اختلفت أمور شعره وبنياته الذاتية وصوره عندما أسلم مما جعله يفقد شيئا" ويكسب أشياء إلى اختلاف ما بعده اختلاف ومن خلال ما ذهبنا إليه نعود للمقارنة بين قصيدتين يقول الشاعر بديع صقور: يكتمل العمر وترحل القبرات000 أيها البحر:أنت وطن الأعمار والسفر على طرقاتك تصير الزنزانات أوسع0000 من هذه السماء المليئة بالنجوم 000 حيث تمكن من استخدام السماء والبحر والقمر والزنزانات والنجوم في التعبير عما يجول في عواطفه وهي أشياء يمكن أن يستخدمها الشاعر في حالة التربية الشعرية ليصل إلى مبتغاه برغم أنه انفلت من المعايير والمقومات التي تبنى عليها قصيدة العمود التي كتب فيها الشاعر توفيق أحمد و الذي يقول: إذا ما عدت يوما" نحو بيتي ستشهد ما أخبئ من ميول ويقول: من قال: ياليل انسكب غابة يحترق الشوق على ضمها أعرف أني باسمها أرتمي صفصافة تبكي على أمها برغم أن الشاعر حلق طويلا" إلا أن تراكم العواطف وثقافة الطبيعة والتربية كل هذه الأشياء جعلته يترك للبيئة وللصفصافة وللطريق ولسهول حباها الله خضرة وجمالا" أن تظهر على قصيدته وهي أشياء وأصوات تعبر عن دلالة موجودة في البنية التكوينية المشكلة للغة القصيدة ومهما تمكن الشاعر من توسيع مدى القصيدة لابد له من العودة إلى شيء انبثقت نفسه منه وحلقت ثم حطت على أشيائه بجمالها أو حلاوتها أو مرارتها 00 ومن خلال انعكاسات العالم ذلك البيئة الأكثر اتساعا" يقول الشاعر بديع صقور: بوابة لهذا العصر المحطم000 برية يابسة وصحراء00 برعم صغير مزقته قنبلة000 بأصابعها الغاشمة00 وإن كانت المجتمعات والشعوب على سعتها تشكل بيئة أو أكثر فهذا يدلنا على أن الأدب يقوم بدور اجتماعي لأنه يعكس ما تحتويه البيئة والناس من فكر ضمن ما يطرأ عليه من تطور وحركات متأثرة بتقلبات العصور والأزمنة مهما كانت الإشارة إلى اختلاف الموهبة قائمة على ألا يهرب الشاعر من المقدرة على الكتابة إلى المجهول المبهم ولا بد للشاعر من أن يخرج من الواقع ووسائله الفنية القائمة على الأحداث ليحول ما هو أمامه إلى رؤى عاطفية تشد الآخر للانتقال بنفسه إلى ما هو أرقى عبر ما يعتري النفس من قلق واضطراب يقول الشاعر توفيق أحمد: تقول سعاد: متى نلتقي ونغرق في الحلم الشيق ؟ غداً نلتقي عند دروب الغدير هناك هناك على المفرق والحب ذلك الشيء الروحاني السامي هو أهم ما تملكه النفس المجنحة. تجعله البيئة الجميلة يتحرك في نفس الشاعر و في مسافات قصيدته ليبشر بالقادم الجميل والخير المنتظر على أن القصيدة تقدم دليلا"قاطعا" على أن الحب لا ينجو منه أحد حتى العصافير، يقول توفيق: إذا عدت يوما"مثل طير مهاجر بقيت هنا في ظل شكي وأوهامي وتختلف القصيدة في شكلها ودلالاتها إلا أن الحالة نفسها يعبر عنها الشاعر بديع صقور في قوله: وقت أحببتك000 كنت مثل ندى القصب000 الراقد بين أحضان الوديان00 وقت أحببتك000 كانت الحياة رائعة مثل أغنية جبلية0 وإن كانت الموهبة هي الركيزة الأهم في بناء القصيدة ومن خلالها يمتلك الشاعر كل الأسباب المميزة له في الكتابة ولكن لا بد من شيء يجعل القصيدة أكثر وصولا" إلى القارئ وقلبه من أي نص آخر ففي القصيدة التي كتبها توفيق أحمد كانت الموسيقا التي تعتبر غذاء الروح هي الأهم إضافة إلى المقومات الأخرى السابحة في خيال ممتد شاسع ومن هذه الأشياء استطاع أن يجعلنا نقرأ بانبهار وأرواحنا مليئة بالغبطة والنشوة ما أعذب قوله: أنا الشرق في صدري ربيع مكسر وأكمام نعناع تذوب بأكمام أما القصيدة عند بديع صقور فهي تعتمد الفكرة الجديدة والومضة اللامعة التي تبرق على مساحة الدماغ فتحدث شيئا" كهربائيا"جديدا"يجعلك تقرأ القصيدة الحديثة باحترام لا تكنه إلا لقليل مما يشبعها من بني نوعها يقول الشاعر بديع صقور : من يجيد القص ياصاحبي000 يعرف أن الورد يذبل000 ومن يجيد الحياة يدرك000 أن الموت جميل0 وبذاك نجد أن الحالة الشعرية على اختلاف بيئاتها تصبو وتتطلع إلى قيم يجب أن يتحلى بها الإنسان المخلوق المميز على وجه الأرض وإنها إذا كانت البيئة والطبيعة والتربية تلعب دورا" في انتقاء الألفاظ والمفردات فإنني لابد لي من أن أذكر أن القصيدة العمودية اعتمدت الخيال و العاطفة بيد أن القصيدة الحديثة النثرية اعتمدت الفكر والفلسفة النفسية وتتجلى الألفاظ وتتشابه فيما إذا تشابهت البيئة إلا أن تركيب النص يختلف كثيرا" من شاعر لآخر حتى نتمكن من أن نقول ساحة الأدب وقمته واسعة فهي تتحمل كل من يمتلك موهبة على ألا يعبث بمقوماتها فالقصيدة العمودية قديمة قدم الإنسان والنثرية يجب أن تكون كما اشتغل بديع صقور عليها، بعيدة عن التهويل والخداع فلم يعد بمقدور أحد أن يخدع الإنسان الواصل إلى سطح القمر وإلى عمق البحار فالشاعر توفيق أحمد يقول : حبك يا حبيبتي مدينة مسحورة000 أسكنها وحدي أنا والشعر والطيور لا أحد يخرج أو يدخل يا حبيبتي للعالم المسحور000 لا أحد يعبر فوق السور0 وبرغم تحديد المسافات فمن الصعب إدراكها ,والشاعر بديع صقور يقول: تؤجر لون عينيك للنوارس0 إن الشعر أجمل ما يمكن أن يتوصل إليه الإنسان ومهما اختلفت الأشكال فالدافع واحد والإنسانية واحدة0‏




E - mail: jamahir@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية


Admin
Admin

المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 02/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkhaled.yoo7.sy

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى