الحالة الشعرية في مجموعة العالم هذا المساء للشاعر الدكتور صالح الرحال

اذهب الى الأسفل

الحالة الشعرية في مجموعة العالم هذا المساء للشاعر الدكتور صالح الرحال

مُساهمة  Admin في الثلاثاء يوليو 08, 2008 4:00 pm

الحالة الشعرية في مجموعة العالم هذا المساء
للشاعر الدكتور صالح الرحال
بقلم : محمد خالد الخضر

يقول ميخائيل نعيمة : " و عندما يصل الشاعر إلى الرتبة , فإن القلم هو الذي يخط حقيقتها , و يعجز الشاعر عن الحركة الخارجية , أي عند القصد في اتجاه هذه المعرفة , لأن الشاعر لا يأخذ القلم في يده إلى مدفوعا بعامل داخلي , لا سلطة له فوقه " .

هذا المساء : و أنا أقرأ قصائد الشاعر الرحال , خطر في بالي أنه ربما يخيل إلى كل قارئ يقرأ أو قرأ قصائد الرحال , سوف يحسب أن الشاعر غالط أو خالف البنية الأساسية للمعنى الدلالي أو التركيبي للشعر و لا بد لأي قارئ من انه يعرف أن الشعر يطلع كما تطلع الثمرة و تمارس عليها أو تعتريها كل الآليات التي من شأنها أن تعطي شيئا له قيمة في الوجود , و القيمة ربما تكون وليدة الفطرة أو الإحساس الموهبي كما هو الحال في الشعر حصرا , فقانون التحول الذي يحول الكم الهائل إلى الكيف المبهر ..يجعلني أضبط الشاعر صالح الرحال متلبسا في عيادته بعد أن يفرغ من عمله و هو يتبادل مع السكينة و الكون طقوس المخاض الفكري الذي من حاله تنفجر القصيدة تماما كما الينبوع الذي يتحمل كل أمطار الشتاء و صدمات البرد و الرعد ليتدفق في الربيع , و هذا ما يؤكد عدم تطابق نظرية المخالفة على ما يكتبه الشاعر الرحال .
و كوني قرأت أغلب ما كتب يحق لي أن أختار شيئا مما قدمه عن عالم هذا المساء أو عن ما يعتري دواخلنا و لواعجنا و تكويننا , يطلع دائما من البيئة , و قليلون الذين يطلعون من البيئة عندما يكتبون , و عندما أقول يطلع من البيئة يجب أن أفصل الفترة الزمنية التي كتب فيها الشاعر سابقا و كان حضور البيئة و المجتمع و الهم وجوده ليس بقليل كما هو الحال في ديوانه مستقبل الربيع على سبيل المثال ..
أما فيما يقدمه .. في هذا المساء .. مختلفا في تفاصيله كل الاختلاف و لعل اجتهادات الشاعر على الموهبة تجعله يطور حسب ما تصل إليه مكنونات العقل بعد مرحلة من النضوج البنيوي في عمر الإنسان المبدع .
يعني ________
قصيدة عصاب القرن العشرين : " هذا القرن المفتوح كجرح ملئ القيح حوافه ,
يعلن أن هتك الأرض و باب الله , و دك نجوم التبان .
عصر الرزق , الماء و زهر الليمون .. و آخى بين القاتل و المطعون .
هذا القرن الشامخ آخر سلسلة الطغيان ".
هذا شاهد يوثق الكينونة الشعرية فيما ذهبت إليه عند صالح الرحال , و يشير الشاهد أن الشاعر حلق بعيدا عن البيئة و المكان و "ناوش" جدرانه الزمان ليختصر العالم و القرون بمسافة رآها تتوازى و تتوازن مع جرح هو أحس به , و هناك تلعب النفس دورها الأكبر عندما دخلت في نقائها الخلقي خالصة من الأدران الاجتماعية و عوالق العالم السفلي إلى مكانها الروحي العظيم في قداسة الكتابة بعيدا عم القشور و الملذات , و نتائج تعاطي الخمور النتنة ليأخذ سائر الباقين إلى مكان أصبح الوصول إليه ليس صعبا طالما يمتلك البشر قدرة التكييف و الإدمان و الإقلاع و أشياء أخرى .
من قصيدة المنافي _____ مسافة :
"و المسافات كلها وردة صناعية النشء حوضها آهل بالذباب , و قد داخ ممن تيمم أو عف , مما قعد ,
فانتحى سابحا يصنع الرقصة القريب من الزار حتى يشيب الولد " .
هذا الولوج إلى الاستجابة للعمق و ربما نجد هذه الظاهرة حتى في الشعر الكلاسيكي عند الشاعر في قوله :
أيجمعني و ينشرني و يمضي و قد أكل الجوى كلي و بعضي
و يـــــأخذ مهجتي منى و يلهو بأغصاني و أزهاري و روضي
و هي من الديوان مسارات الوجع .. و كما أسلفت حيث واكب مسيرة الانفعال الإبداعي في رؤى القلب و الأحلام تجاه المضامين و القضايا في ثورة على الجهل مفضلا الحياة في أبعاد الكون المترامية إلى اللامحدود .. الشعر قطعة من الروح و النفس في رباط "رومنطقي" يسكن في أذهان حتى الذين لا يؤمنون بفهم هذا الشعر علانية ولطالما قدم هو إلى ديوانه مستقبل الربيع منها :
الشعر : تماهي الزمان ــ انعتاق إلى المسافة القصوى و حدس صوفي في حروف الكلمة .
أنبه نفسي لقراءة قصيدة من ديوان العلم هذا المساء و هي "مطهر أوديب " و الذي يعمل خلالها بحسه المشتعل كي يبرأ أوديب من العقد التي وضعها حول عنقه "سوفوكل" فمضت عبر العصور ككرة الثلج , تكبر كلما تدحرجت .. في نبوءة شعرية , فاتني أن أتحدث عنها في المقدرة التي يتصف بها كل شاعر حقيقي بالضرورة القصوى يقول :
منهاتي بقايا الحليب
و هاتي كتاب القصيدة
و كل الذين رموا روحهم
في رصاصة . سنعلن هذا المساء الجميل .. احتراما جديدا .....و أرضا يرف عليها الإله .
تساكننا في الضلوع , فيصعد فينا الزمان , و تبدأ فينا اللغة .....
أنا لا أدري كيف أخذتني هذه القصيدة إلى مقولة اليوت :
" يجب أن يكون الشعراء عصيين , فهم في مواجهة حضارة تتضمن تعقيدا و تنوعا كبيرين , وهذا التنوع و التعقيد يلعب بالحساسية النقية , فلا بد أن ينتج نتائج مختلفة و معقدة في آن واحد " .
هذا يعني أن الشاعر صالح رحال لم يعد على حرمات أحد ممن نصبوا أو ادعوا أنهم أشياء و أرباب القصيدة و الشعر و لكنه و حل حلبة التحدي بعلمية فائقة و إضرار ما بعده إصرار على تكوين الفقيدة الحديثة بنفس العجينة التي استخدمها الكلاسيكيون و الحداثييون و غيرهم.... و سيرى القارئ أن قصيدة الرحال مرتكزة على التفعيلة إذا لم تكن على البحر الخليلي فهي من إحدى تفعيلاته , دلالة على علاقته الإنتمائية إلى أصله و جذره و لطالما إحترم البحر و التفعيلة و القافية و الروي فكل ما يأتي به هو ضرب من الإبداع اللاموجود على ساحة المشهد الشعري المعاصر , و إن علاقته الجذرية بالتراث تضع بالمقابل حقيقة كشف الذين خانوا أصلهم و تراثهم نتيجة المعاصرة و التجديد و الخلق .
كما أن توافق اللفظ و المعنى و الاعتماد على الحسن و نبذ القبيح كان من أهم ما أراد له أن يكون مركزا على الوجع الدامي الذي لا يتراءى أبدا لأي قارئ , هي إحدى تجاربه التي يختتم بها حتى الآن مسيرة إبداعه الشعري المتحركة على خط بياني في تجارب مختلفة و متنوعة ... و من الملفت للنظر و الجدير ذكره أنها مغايرة تماما لسير عملها الروائي بصفته كاتبا روائيا تميز في كتابة الرواية الوثائقية و الإبداعية عبر مجموعة من الروايات التي أصدرها .
فدافع الأساسي عند الشاعر الرحال لم يكن نزوة أو ضعف أو انهيار , بل جاء نتيجة التطور الحياتي للثقافة البشرية التي تابعها منذ اكتشافه الأول لموهبته الشعرية في فلسفة الانطلاقة الجديدة التي يعيشها كوننا و استقاء القصيدة من التجربة الواقعية , و ليس كما يخيل إلى الآخر الذي انفلت من معايشة و مواكبة الفكر المتطور في انصراف ليس بالقليل إلى النزوات و الهفوات و الانكسارات فليس بمقدورنا أبدا أن نقارن بين السيارة و البعير و بينما كان نسمعه من الأخبار عبر المذياع و بين ما نسمعه الآن على قناة الجزيرة .
• و بينما كان الشاعر في ليلة شديدة البرد , شديدة الثلج , شديدة الظلام , ليلة جاحدة .. يتخيل المسيح قادما في هذا الثالوث المخيف , يمسح الجرح و الوجع .. جاءت قصيدة العالم هذا المساء من رحم التوجع و الانتباه و التحسر و اللامعقول في قدرة إيحائية للفظ و المعنى و نمط يشبه الحالة :
وردة الزنج تعالي ..... فأنا اليوم جريح
سأغني ألف ألف ....... من أغاني أبوح
و أنادي من له كرم السفوح .
وإنني أعود لأنوه أن الشاعر لم يدرس الوزن و لا ترتيباته و لا زحافاته و علله , فالموهبة التي أغناها بقراءته الكثيرة و المتواصلة للشعر , و الشعور الذي يتوحد معها يجعلني أقف من توازن التفعيلة فاعلات مع فعل و التوحد مع الموضوع بطريقة تجعل بعض الذين يستاءون من( الشعر الحديث ) أن يتوقف مليا أمام انهيار ظنهم للانسجام مع الموسيقى العذبة التي خلقتها الروح الشاعرة و آثرت أن تجمعها مع توحد مبهر مع الموضوع الإنساني الذي يقع موقعا حسنا في نفس المتلقي المثقف و حتى العادي و إن كان أحيانا ينهزم أمام تفهمه لقصيدة ما , بسبب تردي المتابعة الثقافية داخل وجدانه الشعوري .
و إن كانت القصيدة تجعل المتلقي يخلط في أغلب الأحيان بين الغناء البكاء يخرج صالح الرحال من هذه الحالة الدامية أو المدماة و تتناسق الكلمة و النغم في أقصى حالات ( السلطنة) ليغني و يقول :
سأغني كي تقوم الأرض أو يأتي المسيح .
يا مسيح الطهر هذه أرضك الحبلى بأوجار الذئاب .
و إن كان ظاهرة الغموض قليلا أو كثيرا ملازمة للقصيدة عنده فهذا ضرب من التوهم عند المتلقي فمن يقف أمام الحالة المنصبة في القصيدة تنعكس لديه الظاهرة فيرى متعة الظهور عند الشاعر و هو ينفصل عن العالم السفلي و يتلبسه ارتعاش الموهبة المطلق و يرى بعين المتبصر و الواعي المثقف , و إلا الحالة هي حالة اختلاف فقط بين الشاعر و القاعدة الشعبية التي آثرت على الشعر و الشعور كثيرا مما نعايشه من صرعات التغلغل التآمري و سواه و يسأل الشاعر :
من يغني ... لتنام
من يغني لتقومن _________ من يغني فيك حتى يذرف الدمع المساء .
أو يغني كلما ضاق الرجاء
يدرك حالة الوهم المتقدمة من القارئ الضعيف و يعرف كم هو ملتصق بحاله أي بناسه و جرحه و وجعه حتى يشرق الإخلاص من بكاء المساء الجميل ... و تنسحب الحالة على كل القصيدة ... فيدلنا على أن محمد الدرة الشهيد الطفل و أبوه شاهدان على هذه الكينونة القاتلة في قوله : "محمد و أبوه شاهدان على عصر , تكور محمولا على غسق , ظلامه شق فجرا فلقتين , سمعت أولاهما كوكبا دريَ , و اشتعلت غزالة البرق في صدر الغلام هفا لحضن والده الممصوص من هلع , تقوس الظهر , مد الركبتين , كبا , طارت إلى وجهه عصفورتان .. "
و الحلة التي تميز قصيدة الرحال تجعلنا نرى أنه عندما يتضايق من الشر المحدق بالبشرية يحلق في الفضاء الكوني فلا يكون انتقامه إلا بقصائد ربما لا يدرك معناها القارئ البسيط بيد أن من همه و تراجعاته ثم تفور العاطفة بين جوانحه فيعود إلى غنائه و ينسجم الموقف و الغناء لتأتي القصيدة الشذية مليئة بالشجن و الحب فتلامس النفس الحزينة و الفرحة , و لا تعني الحداثة عند الشاعر الرحال هجر الموسيقى و الوزن و الانهزام إلى النثر , بل هي الانطلاق بالإنسان إلا ما ينبغي أن يبتلي في سياق الانقلاب الجذري على التخلف و الوضاعة لتبقى اللغة سامية , بعيدا عن الركاكة .. فأحيانا أتذكر جبران و أحيانا المعري و لكن لا أدري إذا كانت شاعريته التي تتلبس سلوكه الاجتماعي هي عبئ عليه خلال تعامله مع بعض الفئات أم لا فكثيرون يصعب عليهم التلاؤم مع شاعر ما ..
أما لوحة الغلاف كنت أفضل و هذا اعتقاد ربما يكون خاصا , أن يقرأ الفنان المجموعة ثم يتفاعل معها و يرسم اللوحة , لأنني حسب استنتاجي أن الفنان عبد القادر عبدلي فتش بين لوحاته عن شيء يتلاءم مع عنوان المجموعة و هذا ما يفعله الكثير من الفنانين الموهوبين , وبرغم من توفر موهبتهم يتهمون بالانهزام من المقدرة على فهم المجموعة و بالتالي لا يتوافق الغلاف الجميل مع المضمون الجميل و هذا مجسد في مجموعة العالم هذا المساء لمؤلفها الشاعر الدكتور صالح الرحال و في مجموعات لا بأس في عددها لأدباء و شعراء أعطوا مجموعاتهم لفنانين كبار فإنتقو مما هو موجود لديهم و كانت حالة النفور بين لوحة الغلاف و المضمون و هذا غلط فادح

Admin
Admin

المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 02/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkhaled.yoo7.sy

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى