قراءة في مجمـوعة حكي بردا نين للأديب جمـال عبود

اذهب الى الأسفل

قراءة في مجمـوعة حكي بردا نين للأديب جمـال عبود

مُساهمة  Admin في الثلاثاء يوليو 08, 2008 4:06 pm

قراءة في مجمـوعة حكي بردا نين للأديب جمـال عبود

بقلم محمد خالد الخضر

حكي بردانين : مجموعـة قصصية للأديب جمال عبود تحتوي عشرين قصة قصيرة .. أولها حكي بردانين التي سميّت المجموعة باسمها و آخرها الأرياف ترحل مع السواقي .
الكتابة عند جمال عبود نتاج موهبة أصيلة ، تدل على التلقائية و الفطرية لأنه يرسم دواخله من خلال امتلاكه شخصية نفسية كاتبة قادرة على أن تفرغ محتوى عواطفها دون حرج أو خجل ، و من يرى جمال عبود و يحدثه يدرك تماماً مدى التوافق بين ظاهره و داخله ، و أخالف من يرى عكس ذلك .. و لا بد لي من تشريح قصته الأولى و التي يجب أن تكون الأهم طالما سميت المجموعة بمشيئتها .. حكي بردانين : محتواها أو بعضه .. ( تعطلت السيارة ، و الطريق مهجور .. لا بد من معاونة السائق ، لأن السيارة ستتأخر ، و سيأخذ المعاطف من يصل أولاً إلى المخزن .. لهذا كان بطل القصة يدخن بعصبية ، و هو يدور حول السيارة .. علماً أنه عرقل عملية الإصلاح للفت أنظار الجميع ) .
نجد أن القدرة الحكائية منبثقة من تجربة إنسانية يخيل إلى القارئ أن أمامنا كلام سهل يمكن أن نصنع على شاكلته متى أردنا .. غير أنني أشير إلى ناحية مهمة .. إذا توغل و توقف القارئ ، لا بد له من وجود حالة نفسية ظهـرت مترابطة القوى بين دواخل الإنسان و بين حديث الكاتب ، فالمدخن عندما يقلق و تحترق دواخله يبدأ بالدوران حـول إشكاله و هو يدخن بكثرة ، و تظهر انفعالاته على حركة أصابعه .
و يتابع ليخرج من الحالـة المألوفة ، و يبين حقيقة الاستمتاع بعملية التبديل .. و تضييع نصف اليوم .. و شرب الشاي في غرفة أمين المخزن ، و كون ورش المؤسسة كثيرة و متباعدة .. يكون يوم التوزيع فرصة للقاءات مجانية .. و في مثل هذا اليوم تتجدد ذكريات ، و تستيقظ أحلام ، و تذوب أحقاد ، و تولد مشاريع ، و تعقد صفقات .
و تحدث عن الأحاديث التـي تـدور حـول ما يـجـري عـن الـقـرابة بـيـن بعض العاملين في المخزن و المصاهرة ، و كيف تفعل فعلها في التعامل السلبي .
لا تتركز المادة القصصية على استلهام أو اقتباس أو تنـاص أو غـيـر ذلـك ، فالكاتب يسـتمد مادتـه من هموم التنقيب و البحث و هو يعايش التجربة مستخدماً وسائل تعبير تخص الإنسان في انتقاداته .
علاقة حثيثة بالواقع على تقنية تجعل الروح الساخرة تشتغل على تحولات الأحداث باحساس يجعلنا ندرك تفاصيل الغاية المنشودة .
فقصة حفاة كالأنين : يربك الكاتب قارئه مباشرةً حتى يتبع حركته الرشيقة في التعامل مع ( المنالوج ) المتفجر من قلـب الحدث و لا بد للعنوان أن يترتب من خبرته على الاستنباط و التوفيق و الارتكاز على نفس الشخصية من دواخلها .
ربما نظن أنه يروي حادثة جـرت مع الكاتـب في سياق سـاعات اليـوم ، و الرواية تـبــدأ ببساطة التركيب ، و فجأة يتداخـل الـقـارئ مـع الحدث و يتفـاعـل مـع الحـبكة ، ليبدأ الرحلة مع صراعات الشخوص ، و بـسـط الواقـع الدرامي المتصاعـد .
و دون إنذار تتداخل حالة بـطـل القصـة المـتفاعلة مـع الـشـواء و رائحـته في السـيناريو الـذي أدخـل ( خـالد ) على المحادثة و كشف سبب غيابه ، و وصف طريقة الخطوبة التي صارت ، و الحوار مع ( سمارة ) التي كانـت تقول : لن يتم الزواج إلا بعد الثورة .. و كانت خاتمة القصة مغايرة تماماً للخط الأخلاقي التي تم التحدث فيه من خلال الأبطال .. لقد تزوجا حتى تقوم الثورة .
تسليط الضوء الفني على حياة شريحة من المجتمع لنستقرئ الفرق بين أنماط السلوكيات البشـرية في كثير من المواصفات و الصفات التي رشها على شخوصه مع قليل من المبالغة في زركشة المواقف .. لتأخذ الحركة القصصية الشكل الفني الذي يعمل على الوصول إليه مؤلف القصة .
إلا أنه و هو يطرح موضوعاته الشاملة و هو يخوض آلام الحياة يحاول أن يحفز القارئ على ضحكة داخلية يجب ألا تظهر حتى لا يفاجئ لأن المتلقي .. لديه كل القناعة أن جمال عبود يضحك ضحكة عريضـة و ساخرة مما يجول و يجري .. إلا أن الـنـقـاء و الـشفافية في التعامل مع اللغة و تحريك الأشخاص و ابتعاده عن الطرح المبتذل كما يجري على لسان شخوص لا بأس بعددهم من الكتاب الذين لبسوا عباءة الأدب الساخر .. فلا بد من الحيرة أمام تحديد الجنس المطروح و هذا برأيي يحسب له .
كما أن هذا النمط تميز به عدد لا بأس به من كتاب القصـة القصيـرة في سـورية مثـل : نجيب كيالي و تـاج الـدين المـوسى و مـحـمـد عـادل صـادق و عـبـد الـعـزيـز دروبي و عـفـاف الـرشـيد و وهـيـب سـراي الـديـن .. و آخـرون .
و يتضح تماماً مدى إحساسه المجروح مـن المغالطات أو الـمفارقـات الـتـي يـراها الإنسان تبهـره أحياناً ، و لكن الانبهار غالبـاً ما يؤدي إلى طعنة في العاطفة .. و إلا ماذا يريد من ( أبي كاسم ) بطـل قصـة الحاوي و الحالة المتتالية بشـكل مفاجئ و المفاجئات التي أظهرها الرجل الذي كان من المتوقع أن يكون بسيطاً ، فكان لاعباً من الطراز الرفيع .. على ثقافة الكاتب تراكم التجارب في ذهنيته و خياله .. و قصة يا أخي الذي لا يشبهني : و أنا أقـرأ هـذه القصة ذهبت بتفكيري إلى كليلة و دمنة .. إلا أن الانفتاح على التجربة عند جمال و التمكن من التأويل و الاستجابة له من قبل الموهبة التي جعلت الحديث بيـن الإنسان و أخيه الحيوان في القصة تغاير كليلة و دمنة التي توفر فيها عنصر التشويق و غابت الحبكة إلى صالح السرد المؤثر و المستعطف للنفس البشرية في غاية لتنظيم إنساني يحاول أن يكون دائماً أسمى .
و خلال متابعة القراءة في قصة الخادمة و نحن النسوان ، و ناس و مزابل .. نستمر في الكشف عن المعاناة و الألم في إشارةٍ إلى انهزام الإنسان في زمن التكنولوجيا و التقدم و وجهة نظر المؤلف ترتكز على البنى الإنسانية المعدّة من عـادات أو تحركات اعتمدت على بساطة الشخوص ، و لا يعني بالضرورة بساطة المقدرة مستنداً إلى إيضاح المكان و ضرورة توثيق العلاقة بين الشخص و البيئة ليرى المتلقي الحياة الاجتماعية كأنها مسلسل مخرج و معد أمامه لا ينقصه سوى معرفة القدرة التي امتلكها المؤلف على تركيب هذه القصة ، أياً كانت مكانة هذه القدرة ، و لا نجد تقارباً أو تشـابهـاً بينه و بين شخوصه و لو كان ثمة أمر يشير إلى ذلك لاتهمناه بالقنوط أو الضعف ، لأن أخذ الومـضة و تجسيدها أو تركيبها مرة أخرى و توفير عناصر الإثارة و التشويق هو قرينة دالة على وجود الموهبة عند الكاتب أو المؤلف .
أما القصة الأخيرة التي يختتم فيها مجموعته يبدأ بعبارات فلسفية : ( قليلٌ من الجنـون ضروري أحياناً ، فهذا العقل المثقل بكل ما هو عاقل و رصين ، ثقيلٌ عليّ أحياناً ) .
بيد أن هذا الجنون اختلف علي و أنا أقرأ القصة .. لقد غاير الكاتب أسـلوبه تماماً و بدأ اهتمامه بالسرد و التعامل مع الشخوص يختلف .. تألقت اللغة الشعرية تماماً ، و بدأ يصور العالم كما يريد و يرى .. عذوبة بردى و هي تتسلل دون أن يدري بردى و الحديث عن كروم التين و تداخل الأحداث مع قليل من الاستطراد المشوّق الذي يشد القارئ أو المتلقي لمعرفة .. ماذا يدور هناك ؟ !
و تجلى ذلك بالنقلة التي دارت بين الأستاذ و ( سارة ) و بين ( أبو علي ) و ( أم مخلوف ) و لم تطارده اللغة الشـعرية تجاه ما أراده ، و يظهر ذلك في تحريك الحوار بين الأستاذ و المختار ، و تكفل الأستاذ بضبط التلاميذ الذين أخذتهم أمور الحياة و إشكالاتها و أنه سيتلافى التقصير .. و اللعب على الخط الدرامي لتقنية القصة بشكل مختلف عن القصص التي سبقتها و تصوير البساطة الشعبية بشكل فني .. و يترتب علينا في قراءة هذه المجموعة أن نستنتج أن الأسلوب السردي عفوي بطرحه ، و الموهبة تأخذ الكاتب ليصب جام روحه على ما يجري في المجتمع الإنساني و همومه .. و المفاجئة كانت من أوليات الأسلوب القصصي ، و قليلاً من الاستطراد كي لا يصاب القارئ بالملل .. إلى الشاعرية الموجودة في الأخيرة .. تختلف آراء النقاد في الرأي حول مثل هذا النوع من القص ، إلا أنني أميل إلى أن الموهبة موجودة و هي التي تصنع القصة أما سوى ذلك فالثقافة تهذبها ناهيك عن تقديم الدكتور شاكر مصطفى الذي اعتبره دليلاً جيداً على ما ذهبت إليه .

Admin
Admin

المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 02/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkhaled.yoo7.sy

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى