شعر المرأة السورية و تداعياته

اذهب الى الأسفل

شعر المرأة السورية و تداعياته

مُساهمة  الشاعر في الأربعاء يوليو 30, 2008 12:11 am

شعر المرأة السورية و تداعياته
بقلم محمد خالد الخضر

يقول يونغ : (الشعر العظيم يستمد قوته من حياه الإنسان كنوع , و سنخطئ معناه إذا حاولنا استلال ذلك المعنى من عوامل شخصيته ) .
هو المعنى الذي ينطبق و يتآلف معه كلما قيل عن الشعر الذي من المفترض أن يكون صاحب العلاقة القوية و المترابطة بين المبدع و المتلقي دلالة ما يجري في زمننا المتوهم , إذ غاب الشعر تماما و تعذر حضوره عندما قطع صلته بالمتلقي و بدأ يطرح و يشرح أعذاره و أوهامه متذرعا بأن المئة عام القادمة كفيلة تماما بان تثبت هوية هذا الهذيان , و لطالما كان الشعر منذ بداياتنا و تكويننا نحن الأمة التي تكاد تفقد هويتها بعد أن احتارت وراء أي ركب تسير و كان "الشعر ديواننا " نحن العرب على حد تعبير عظمائنا على مر التاريخ إضافة لما يمتلكه من مقدرة على تحريك المشاعر و إثارة الوجدان فإنه يحملنا معه إلى الأجواء التي عبر عنها ولهذا و ذاك و كما ورد في كتاب العمدة : "كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فتهنئها"
لأن الشاعر وجه القبيلة و إعلامها الذي يدافع عنها و يذود عن حياضها , و لم تتغير البنية كثيرا, إلا الظروف التي تباينت و انقسمت جعلت الشعر كما أسلفنا بعيد عن الهم الاجتماعي و الوطني متمسكا بحجته على أنه أكبر من الإشارات و الدلائل حتى و من القيم , فهو الذي أصبح يحلل و يحرم كما يشاء لينتزع بضع اعتراف , و حتى لو كان هذا الاعتراف متحللا من كل المقومات النوازع و الأسس , و حتى إذا كانت النتيجة أن يسبح المعترف به في مستنقعات يصنعها الآخرون مفصلتا لقياس نصوص خارج إطار ما يفعله الآخر لنفسه و لمجتمعه , ويونغ و ما قاله أنموذجا ....... و لأن دور القصيدة في تحريك مشاعر الناس, و إرهاف وجدانهم هو مهم عبر المشاعر و الروابط و الأواصر الإنسانية...ترغب القاعدة الشعبية و الإنسانية أ، يكون الشعر مليئا بأسسه و قواعده و مكنوناته القادرة على جعله "حمال الهم و الأسية" و إلا إذا كان الأمر غير ذلك فلمن تكتب القصيدة ؟؟؟!!!!.
و لطالما ارتكزت القصيدة عبر التاريخ على بناء أساسي هو التفعيلة التي تجعل الموسيقى إحساسا يعبئ أعصاب الصورة و خلجات النص و التراكيب , علينا أن نعمل على القبض عليها لأنها أساس في تقوية العلاقة بين المتلقي و كاتب النص .... بيد أن حالات أخرى و هي ما يسمى بالتطور و الحداثة و مسميات أخرى تلهث وراء هذا الإدعاء مسرعة , و لسنا ضده ونرغب بتطوير القصيدة , شرط أن نقدم بديلة عن التفعيلة و البحر , وهذا البديل يجب أن يكون أكثر تعقيدا و أشد تأثيرا في إحساس المتلقي و تحريكه و إلا فغير ذلك هراء , و هذا الهراء هو عبارة عن كلمات سهلة التناول مهتوكة المعنى و مكسورة الخاطر و فاقدة الإحساس – أشتغل عليها كثير من الرجال , و لكن عدد النساء بات أكثر , لأن المرأة غالبا ما تكون ضحية المجتمع الذكوري الذي يقف أمام أنوثتها خاسرتا و صامتا و مؤيدا , لا يعارض , و يكيل الاعتراف و المديح , و هذا دافع خطورته ... فهناك من يسلمن من الأذى, و هناك من تتلقفهن ميليشيات,
و هناك من يدفعن ثمنا آخرا و هناك من يشتغلن على مواهبهن بشكل صحيح , فأنا أقمت مئات الأماسي و كان للنساء نصيب في المشاركة معي , فلم أسمع تعليقا سلبيا , و كان عكس ذلك حتى هناك من يدعون المعرفة و الثقافة و قرض الشعر و التمسك بالدين كانوا يكيلون المديح الزائف
ولابد لي أن أتناول بعض أنواع الشعر النسائي كون المرأة شريكة الرجل و نصفه الآخر , فمن اللواتي حباهن الله موهبة تخص كتابة الشعر الشاعر( مناة الخير ) من اللاذقية و التي طبعت أكثر من مجموعة و من مجموعاتها (سراب الجهات ) , تختزن على فراشها مقومات التفعيلة و مستلزمات النص الشعري , ولا أعتقد أنها تسلم من محاولات إفشالها لتخون مبدأها و تهاجر إلا أنها تقول :
خمسون مرت و الضمائر تختفي... و القهر يبتلع المشاعل و القصائد و الخيول ... نبني على بحر الرمال قصورنا , ...و نقيس أطوال السحب ........ و الليل شرطي يجوب وسادتي .....
يستل منها وشوشات النوم .... يسكبها على وتر المطر ......
مناة الخير لا تحتاج إلى وصاية و متمكنة من ناصية الشعر بأنواعها , ولا تختلف عنها فاطمة حداد التي أذكر من مجموعاتها غزل الرماد تقول :
مرهفات جزن الهوى و الرغاب و اقتحمن المدى يغرن السحابا
شاعرات بلا كؤوس سكارى مؤنسات و إن سكن الترابا
ربما كان اسم البحر الخفيف سهلا إلا أنه من أصعب البحور و هو السهل الممتنع لأنه ينساب عذبا مع مقدرتها على اختيار الروي و القافية بتلاؤم عذب و طيب , و غالبا ما تجبرها الموهبة في كتابة شعرها على هذه الشاكلة بانسياب تذكرني بأغنية أم كلثوم (من أجل عينيك عشق الهوى) و شعر الأخطل الصغير و ديباجة نزار قباني , و لا بد أن أذكر أ، هناك من النساء من كانت تملك مقدرة فائقة على الرثاء في امتداد البحر و تفعيلاته و نوارسه فالشاعرة دولة العباس التي كسرت القمقم و طلعت غصبا برغم حصارها تقول في ديوانها قطرات جرح لباسل الأسد :
قطرات جرح... ما حملت لظاها إلا لأرحل في عميق مداها
فلماذا لا يتخيل الحداثيون مدى هذه القطرة و كم هي واسعة المقاييس , أما الشاعرة فاطمة بديوي من دواوينها منارة المجد و فيه تقول :
و حسب قلبي أن الله نولني أغلى أماني الحياة: المال و الولد
و يظهر تماما أمام موهبة المرأة الحقيقية مدى قناعتها و عدم حاجتها لشيء فالشاعرة سمر علوش في ديوانها يمام غريب تقول : يحار القلب تبكيه جراح في روابيه
و تظهر عندهن مدى المسافات على خيالهن , و لا أدري لماذا تركت قمر صبري الجاسم موهبتها و ذهب لتكتب وريقات مبعثرة على شكل خواطر تاركة ما يجب أن يكون علما أنها متمكنة من الكتابة الشعرية , و تتجلى عندهن الثقافة و امتلاك الوقت و تسخيره للقراة و المتابعة و تكتب الشاعرة لينا حمدان من طرطوس في ديوانها أمواج :هي هكذا الأمواج تشعل قلبها بالحب..
و الحب احتراق ..... هي لفته لصبية قد أدمنت سفرا..... يهدد باختناق
قد تصرخ الأمواج فينا ...... إنما أرق الرمال يردها ظمأى .... لتشهق بالفراق .
أم أن هذه المقدرة على صياغة التراكيب لا يجوز بعد مئة عام لأن الإنسان قد يصبح بلا قلب و لا عاطفة ..... و أستأنف في قراءة المجموعات وصولا إلى (نصف غناء .. و حلوى) لمؤلفتها الشاعرة فاديا غيبور التي تقول في إحدى قصائدها :
هو طفل من العبق في دمي كان يختبي
هو زمن مر معها و على ذاكرتها و موهبتها و لم يتمكن م جرها إلى خيانة حالتها الشعرية ,
أما ابتسام المادي في دواوينها التي أختار منها (سفيرة فوق العادة) تتراجع قليلا عن نظيراتها إلا أنها تعوض بإلقاء جميل و محاولة إختيار وقفة ناجحة على المنبر تقول : دافقة إليك ...ياأحلى وطن ..... دافقة إليك من كل السدود .... من كل الحدود بترقرقي و تجددي .
تهرب العاطفة إلى حد ما من القصيدة ليسطر السرد و إختيار الكلمات الملائمة للتفعيلة , أما الشاعرة مروة حلاوة من حماه في ديوانها مدينة بلا سماء تقول :
نشوان عانقها ... ارتمى يا لهفة النهدين ... طفلا
شفتاه عاريتان إلا....... من بريق الوجد هلا
في مجموعتها تتمكن من صياغة همومها محاولة أن تشتغل على موهبتها بشكل أصيل , و بين الشاعرات الموهوبات أذكر أديل برشيني من برشين التي تشغلها عن موهبتها مواهب أخرى فيجف البيت و تتراجع القصيدة عندما تخرج من بيت الشطرين تقول في قصيدة من ديوان نخب الرماد : كلما حل خريف رحل الحب و جافى
و عندما تنتقل إلى التفعيلة تقول : تكومت في ظل وجهي ... و ها يهرب الاشتياق
لأن أديل برشيني تكتب الشعر و تمثل كما تكتب باللغة المحكية .
أما سعاد غانم في مجموعتها من دفئ القلوب تقول :
غادرتني و القلب فيك مولع و نهار بعدك غائم و مطير
و من الواضح أنها تمتلك المقدرة على الكتابة إلا أن القراءة لديها متراجعة إلى حد أنها جمعت بين الحزن و الخير فالمطير لا يعبر عن الحزن لأن ما يأتي بعد المطر خير محبة , كما تقع في التفكك خلال ترابط المعاني , شأنها شأن انتصار بحري من حمص في مجموعتها (و سافر نص الكلام ) تقول في قصيدتها زائرة الليل : هو الليل , شال على كتفيك و غيم يلفك دون البشر
برغم أنها مطبوعة بالموهبة الشعرية و دائما يحالفها التوفيق في الكتابة إلا أنها فشلت بتشبيه الغيم بالليل و لم تتمكن من التعبير عن ما تريد , شأ، المرأة ربما تعثرها أمور الحياة بكثير مما ترغب , و الشاعرة عبير حبيب تقول في مجموعتها قطرات من الروح :
ميدوزا جاءت ترمقني كي تسلب روح العينين
ربما لو شغلت نفسها بقراءة الشعر لغيرت في تركيبة "روح العينين" فهي باهته و تباينت أبيات مختلفو في معانيها ولا أدري ما الذي جعل وفاء دلا صاحبة الإلقاء الجميل الذي يشبه تماما إلقاء مظفر نواب أن تبدأ مقطوعتها في ديوانها (امرأة إلا قليلا) : هي طفلة البرق الأخير .. وقلما لمعت يروق في السواد لو يسألونك : من تكون .
هنا تأتي المقطوعة موزونة محاولة أن تأتي بصورة جديدة إلا أنها هتكت التفعيلة و انتقلت إلى النثر الذي ذبح الصورة تقول : قف على حرف السؤال و قل : كشفت الآن سرا في العيون ...
هي قبلة جفت بسوسنها الجفون .
اختلف الوزن و تراجع , و ثمة نوع آخر مما يسمونه شعرا هو نفحات و خواطر تدخل في الأدب الرفيع إلا أنه ليس في دائرة الشعر كما تفعل انتصار سليمان و وفاء شربتجي و نهى سلوم و لا أنقص من قيمة هذا الأدب فالمحافظة عليه رائعة مع تغيير التسمية أو ربما تؤدي المقدرة على كتابه هذا النوع غلا مقدرة فائقة على كتابة القصة و الرواية و كذلك رشا عمران و عفاف الرشيد أما ليندا عبد الباقي تقع أحيانا في مآزق اللغة فتعطي لحرف التقليل " قد " مقدرة القيام بدور الأحرف الجازمة فتقول "قد تغضبي "و حذفت النون دون أي مبرر , كما أن التفعيلة تنهار لديها في معظم الأحيان و في نفس القصيدة (دمشق)تقول : "روحي ازرعي غضب الحروف الحمر أنت الشاعرة "و تكمل القصيدة على تفعيلات البحر الكامل دون أن تدري أن هذا المطلع بعيد كل البعد عن الوزن الشعري , فما الذي يدعو إلى ذلك ؟؟!..... و كذلك وردة مداح , و تغييب التفعيلة عند جازة طعيمة من الحسكة أما غادة فؤاد السمان من دمشق لا يعني ما كتب على غلافها أنه يشفع لغياب موهبة الشعر عندها تماما و عن كان الكاتب نجاة قصاب حسن الذي يخالف في كتابته على مجموعتها الترياق نهجه و رأيه الذي أعرفه و كذلك عبد العزيز شرف و وليد معماري الذي كتب بحذر إلا أن الورطة شدته للكتابة , أما مريم العلي صاحبة مجموعات كثيرة انهزمت من الساحة الشعرية لتطرح نفسها كاتبة قصة فكانت أفضل , و تأخذ حذرها الكاتبة جمانة الطه و هي باحثة و قاصة من اللاذقية فتسمي خواطرها صور وجدانية احتراما لقامتها كما فعلت سليمة محجوب في تسميتها خطرات شعرية لمجموعتها عزف على أوتار الشوق و لا أدري ماذا يعني لنورة خليف من الحسكة أن تطبع مجموعة شعرية دون المقدرة على كتابة الشعر أو ماذا يعني لندى الشيخ أن تقف خلف المنبر و لا تتمكن إلا من رصف الكلام , أما مردة جاويش من دير الزور لقد طلبت مني أن لا أكتب عنها و هذا متوقف على وقوع مجموعة لها بين يدي و ليس على طلبها و الذي سيحصل في القريب العاجل .
و يبقى لقضية المرأة إشكال كبير إذ أنها لا تتعرض للنقد و هي ضحية المجاملة و كما أسلفت بعيدا عن اللواتي يمتلكن المواهب الحقيقية تبقى الوردة و المصيبة أمام من لا يجد مخرجا اجتماعيا إلا الحضور على المنابر في مديح لا نظير له من ذكور يمتلكون أدوات الإدعاء و سبل التنسيق و صناعة العصابات و الميليشية فأي شعر ذلك الذي لا يحمل وسيلة توصله إلى قلب أو فكر أو وجدان القارئ و مع ذلك يقال للمرأة أنت شاعرة و شفافة حتى قيل لإحداهن أنت شفافة و بما في ذلك حذائك , و تستمر الكارثة في صناعة المحسوبيات و الاتهامات و المصيبة إن الأزواج في البيوت يضعون في آذانهم ما يحجب السمع و الرؤية محجوبة بطبيعة الأمر , فأنا لا أدري لماذا لا يقرأ الزوج ما ستقدمه زوجته قبل أن يجيز لها طرح نفسها بما في ذلك هزالة المنابر التي تقبل على نفسها تقديم أدبا لا تملك صاحبته إلا الشكل و الزينة و لا يمتلكون على كراسيهم حتى فردا من الجمهور يداخل أمام المداحين الذين قال لهم محمد (ص) :
"أينما وجدتم المداحين أحثوا في وجوهم التراب " , و ليعلم كل من يجيز لامرأة نصا لا ترتبط بشعر و كل منبر يبيح نفسه أمام امرأة ليست شاعرة أقول :
سلام رجل على المرأة باليد لا يفسد الموضوع و غلط من يقتنع بذلك غلا على سوء النية, و فاجر من يقول : وجود المرأة و الرجل في نشاط أو أمسية يفسد الوضوء .. إنما فساد الوضوء و السقوط بالمجون الثقافي أن يقول رجل لامرأة أنت شاعرة و هو لا يدري ما معنى قوله أتضرع إلى الله أن يوفق الأديبات و الشاعرات الحقيقيات , و أن يهدي الباقيات ... إن الله سميع الدعوات
إلى أجزاء أخرى في دراسات نقدية تكمل ما أرغب به من احترام لثقافة وطني و للمرأة التي تحترم أدبها و أسرتها و مجتمعها على ربوع سورية الحبيبة.




الشاعر
Admin

المساهمات : 76
تاريخ التسجيل : 09/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى