زعفران و المداسات المعتمة : مجموعة قصصية للأديب حسن حميد

اذهب الى الأسفل

زعفران و المداسات المعتمة : مجموعة قصصية للأديب حسن حميد

مُساهمة  Admin في الأحد يوليو 06, 2008 4:31 am

زعفران و المداسات المعتمة : مجموعة قصصية للأديب حسن حميد
دراسة نقدية بقلم محمد خالد الخضر

للقصة القصيرة كسائر الأجناس الأدبية مقومات و مرتكزات لا بد لها أن تتوفر عند الكاتب حتى يتسنى له أن يقدم مادته الإبداعية ، بالإضافة إلى المخزون الثقافي الذي كان قد تجمّع في ذاكرته و أهم المرتكزات هو ما ينجم عن الحالة النفسية كما هو الحال عند كتابة القصيدة الشعرية ثم البنية التي من شأنها أن تدل على مقدرة الكاتب في كتابة النص الإبداعي القصصي .
و لعلني استطعت من خلال قراءة معظم مجموعات الأديـب حسـن حميد القصصـية أن أصل إلى قناعات كثيرة تتوحد في امتلاكه موهبة حسـنة إلى جانـب شـخصيته الواعية المؤهلة للعمل على تقديم القص الإبداعي و هي الحالة القريبة من حـالـة الأديـب ، دفعني لاختيـار مجموعـة ( زعفران و المداسات المعتمة ) .
المجموعة القصصية التي تبين ما يدور في الحياة الاجتماعية إلى مدى وصل خلاله إلى أنماط السلوكيات و إدراك الأوضاع المتباينة في بنية درامية استطاع أن يعطي شخوصها مقدرة فائقة على تكوين ( منولوج ) يصل بنا إلى درجة السهل الممتنع ، و التي تجعل القارئ يمتزج بالنص الذي يتعاطاه إلى حد الانبهار .
قصة هندوبة و أشياء أخرى : خذلان البطل الذي نسي الكائن الأخلاقي الذي سـكن في داخـله و كان يحرضه على الخير و ينتظـره حتى يعـود أيـاً كـان مكان تواجده ، ثم لهث وراء شهوته أو ضعفه أو نسي المكونات الأخلاقية التي تجعله يشعر أن هناك من ينتظره فتخاذل و ذهب ، يبحث عن شيٍ آخر وراء بائع السجائر ، نسي هندوبة ... عندها ضاع الحاكم الأخلاقي الذي يردع دواخله الضعيفة ، إلى أن جرّه صاحب المارلبورو إلى مصير ممزوجٍ بالألم و البصاق ، ليعود حاملاً خيبته إلى هندوبة .
استخدمت القصة وسائل التعبير المنسجمة مع أدوات الكاتب لينطبق الواقع على كثير من الممارسات التي تعتري الإنسان في حياته الاجتماعية متمكناً من ربط القول أو الحالة في عملية التحليل النقدي ليتكون الأثر الفاعل الذي يجب أن تؤديه هيكلية القصة و بنيتها .
قصة حلم باهت في ليلة باردة : قصة غريبة و فريدة من نوعها استخدم في كتابتها أشد أنواع التطور التي اختزنها في قدرته و التي لا تشبه قصص المجموعة فتحدث فيها عن الهم الاجتماعي الذي يخلفه الجوع و الفاقة و الحرمان و الانحلال الذي تعددت أسبابه ، مكوناً قصة في حالة مريعة آخرها بانزياح الهم عن صدر المؤلف ، في فصلٍ بين طبيعة كتابة القصة و النوع الإبداعي الـذي لا يمكن أن يتوافق في الموضوع مع أسـلوب آخـر لحاجتـه إلى التقنية و مراعاة الكيف و المادة و العلاقة التي يتوجب أن تكون متوازية أو متوازنة بين شخوص القصة ، فاللص السارق الذي رآه في الحلم لم يجرده حسن حميد من الحالة الإنسانية و التي تجلت بالسماح عن اللص ثم ضمه لزوجته و مشاركتها بالبكاء ، هو بكى القصص و هي أهم ما عنده و زوجته بكت الطعـام أو المال المسروق ، و اللص عندما شاهد الحالة الاجتماعية البائسة و التي اشد ما تستند عليه هو القصص الموجودة في المحفظة و التي أعادها اللص ... الخط البياني للنسيج الدرامي بدأ يتعاظـم و يرتفـع ، اللص أعاد المحفظة ثم خرج ، كانت آلام الخيبة ظاهرة عـلى سلوكه مدفوعاً من الحالة الإنسانية داخله حيال هذا الوضع الجارح فيعيد المسـروقات و يسـتيقظ الرجـل من حلمه و الكاتب من حالته لنرى الاستهلال في حيثياته و أبعاده النفسية التي دفعت بطل القصة إلى تفكيـر بعيد بكل ما يجـري و الصراعات الداخلية و الذهنية جعلت الحلم ينفجر و هو نائم لتتكون البنية ، و هي المنبعثة في حالة الاستهلال في إثارة داخلية مستخدماً براعته الأسلوبية في حيرة القارئ بين شخصية المؤلف و شخصية البطل الذي دارت حوله أحداث القصة .
حيث سعى حسن حميد إلى خلق نظرية نستخلصها من هذه القصة مـؤداهـا تطـور الحالة الأدبية و تأدية الدور الإنساني و الأخلاقي و الجدلي بشكل متجانس مدروس تنتج حياله قيمتان : الأولى أدبية عبر تاريخ الأدب و الثانية إنسـانية تتعامل و تتفاعـل مـع الإنسان عبر تـاريخـه الطويل و المخيف .
... و يكثف نشاطه الإبداعي حول ظاهرة الإحساس الذي طالما انبثقت بسببه العواطف و ثارت اللواعج ليشعر الإنسان بالمتعة أحياناً أو بالعذاب الذي ينتج عنه بدعٍ ربما تثير حفيظة أي قارئ ليفتش كثيراً عما إذا كان ما ذهب إليه الكاتب هو ضرب من التخيل في الخيال المجنح و الواعـي أو هو شيء من الواقع الذي ينتج عن بساطة أو جهل أو معرفة قاصرة .
و يرتكز في قصة حب هليل حمدان الوردي : إلى العاطفة التي من شأنها أن تؤدي إلى تكون النضج العقلي الناجم عن الإحساس بالأشياء التي يراها المرء و يتأثر بها ، لا يكثر من عدد شخوص القصة عادةً و يترك للحدث أن يتفاعل و للعاطفة أن تشتعل .
هليل الحمدان : المستخدم في النقابة ذلـك الرجـل البسـيط أحـبّ ( زعيلة ) و هـي بالمقابل أحبته و العرافة لم تفعل أي شيء على حد قول هليل أمام تمنّع الأب عن زواج ابنته لهليل الحمـدان .. و عندما مات هليل اشتغل الأديب حسن حميد على الحدث الثاني و هو المهم في القصة بانسـياب و تأجيج لسلوك زعيلة و سلوك الأستاذ الذي راح يسرد ما حصل معه حيال الرائحة الكريهة و الضوء و الشمس التي تركت وراءها أثراً بهياً ، و تعري زعيلة قرب القبر و ما كانت تمارسه من طقوس بكـاء و أشـياء أخـرى بين الحـزن و الزعتـر البري و الرائحة النفاذة الكريهة .
اختلطت في ذلك مخلفات الشعور من الاشمئزاز و السعادة لمحاولة تقديم عناصر تتعلق بالسـلوك و العاطفة على أن ما نصل إليه يقدم لنا موقفاً ما .. هذا الموقف يتجلى في عرض حالة الجهل التي جعلت الرجل البسيط و الطيب يقنع بما تمليه العرافة و الآخر تقديس حالات الحب التي أشار أو أراد أن يشير إليها الكاتب من خلال ذهاب زعيلة و تمسكها بقداسة روحية و جسدية تندمج فيهما عواطف زعيلة الباقية و حبها الأزلي الذي لن تنساه طالما عوّدت أشياءها على المجيء لتكمل حالات الزواج بينها و بين هليل من عشق و لقاءٍ و أشياء أخرى يبعثها الخيال المسكون بالماضي الذي أصبح جزءاً قائماً و ثابتاً في الذاكرة و القلب و الجسد .
و هذا النوع من القص الذي يدخـل في إدراك الشـخوص و يلعـب دوراً هامـاً في أثره النفسي و يختلف اختلافاً كلياً في المعالجة عن كثير ممن استخدموا بعض الحالات المشابهة لهذه الحالـة و هي موت أحد الحبيبين و ثمة مواقف مختلفة تجاه هذه القضية ، أدى الكاتب هنا نمطها بقدرة على التأثر العاطفي بدلالة ما فعلته ( زعيلة ) من خلق طقس خاص بحالة عشق يجب أن لا تمحى
في ذات ليلة : حاول من خلال التنويع في وحدات القصة الموضوعية و تسلسل أحداثها ابتداءً من ركوب الباص إلى ما حصل معه عندما ضربه الرجل الذي يزيده قوة ، ثم انتقل إلى حالة أخرى هي التلبّس الجنسي الذي فاجأه و المرأة تستجير تحت ذلك الرجل طالبةً منه خمسين ليرة ، استجمع بطل القصة قواه هو ذات الرجل الذي ضربه إلا أن صيحات الاستغاثة دفعته ليهجم ، فلملم الآخر شرواله و هرب ، و عندما تسأل المرأة بطل القصة : ( معك خمسون ليرة ؟ ) .. يبصق في وجهها و تأخر تلك الليلة على زوجته التي لم تصدق أعذاره و في سياق الحديث عن وحدات الموضوع المختلفة لا بد من الإشارة إلى أن تسلسل الزمن كان مرتباً عند حسن حميد بما يتلاءم مع اختلاف الموضوع ، الباص و الازدحام و ما حصل للرجل .. ثم الموقف الذي رآه بين المـرأة و الرجل الذي ضربه ، إلى وصوله إلى المنزل ، في تناسق أخذ حقه وفق ترتيب الكاتب و هذا نوع من السرد الحديث الواقعي الذي جرت خلاله إشكالات القصة و استرجاع الباطن في قصة لها أهدافها الجمالية و إن توافقت مـع سابقتيهـا بالتقنية إلا أن النية اختلفت تمامـاً و العامل العاطفي تباين .
و لا يخفى على احد فمن يقرا كتابات حسن حميد يدرك أن الرجل يمتلك موهبة متميزة فلا غرابة أن أنوع استنتاجاتي و تبصري في مفاصل كتاباته و ابدي دهشتي في مواضيعه المتجددة و تمكنه من تركيز الأزمنة الدالة و المدلولة و وصل مدلولات القيم و الركائز الأخلاقية التي من شأن القصة أو النص الإبداعي أن يصل إلى فائدة كلية أو جزئية معها ، فقصة قباحات رحلة و ما سرده إلينا الكاتب من نتائج دفعه إحساسه الأدبي أن يتحدث عنها بجرأة و يعتمد على لقطة فنية متوافقة مع زمن النص و إحداثيات الطقس أو الطبيعة و حركة الإنسان الداخلية التي دفعته للاعتراف بأقبح ما ارتكب و لولا شعوره بالموت و إحساسه باقترابه لما دفعته عقدة الندم و التي معناها أنه لو عاش لما عاد إلى مثل هذه القبائح .. حيث تمكن من الترتيب الموضوعي و الاستمرار بسرد أحداث تدهور السيارة التي التقتها بركة الماء و تصوير حالة الركاب و أحاديثهم رابطاً بين زمن الحكاية و زمن القص السردي التي أجمعت في تفصيلاتها على تقديم قصة تطرد الملل من ذات القارئ علماً أنها ترفع فوق رأسه عصا التهديد التي تحذره أن مصير كل قبيح أن يصل إلى موقف يجعله مرتدا أمام خيبته محاولاً العودة في توقع مختلف ربما لا يوصله أمله إلى حيث يريد فالهاوية المهينة تنتظر .
دلال و الحلم الوردي : قصة الحلم أشياء متباينة و أحداث تمتزج أو يترابط فيها الماضي بالحاضـر وفق ترتيب زمني عادي يخدع القارئ بخفةٍ فائقـة على أن الزمن الفائـت هـو زمن حقيقي ، و ببراعة موفورة يفاجئنا الكاتب بكشف الستار عن الخدعة الزمنية في حلمٍ عبر ضمن محتوياتها عن حدث طويل الأمد ، يملك أكمل التشويق في الحديث عنه ، و يبدو أن الكاتب يبرع في هذا المجال على إمكانية في إدارة الأحداث و توزيع العواطف عائداً في داخله إلى زمن مضى دفعته أشواقه إلى انبعاث حلم أساسه حب البطل لدلال بنت الأسعد بيد انه يحمل رغبة جارحة في طرح الحديث عن الشهادة الجامعية التي يحملها الكثيرون و يتسـكعون و هي على أكتافهم تشبه كابوساً قاسياً ، و يستيقظ ليطلب زوجته التي أرهقه بعده عنها .
و تظهر أمامنا الوقائع و الأحداث في تسلسلها المنطقي عبر تاريخها و أيامها ضمن الحلم الوردي الذي هو موضوع قصة الكاتب و مستوى الطرح فيما يقدم لنا نفعاً كبيراً من الفكرة التي أراد أن يلبسها شيئاً من إبداعه لتكون لنا نصا قصصياً هاماً مليئا بالإثارات التشويقية الهامة في شعورٍ من القارئ أن ما هو أمامه هو حقيقي و واقعي إلى أن يتفضّل المؤلف بلكزة حقيقةٍ و لطيفة في النهاية تكشف ضعف البطل أمام حبه و عشقه لتنتابه نوبة حلم عار مستخدماً تقنيات القص في خاتمة الحديث و الحوار بين حفّار القبور و الرجل الحالم ، و لأن مجال التخيّل كان واسعاً في السرد القصصي ارتفعت تقنية القصة بابتعاد عن الذات ليصل إلى تقييـم إنسـاني على أن البيئـة و الزمان في تأثير متبادل للوصول إلى وحدة موضوعية في قصة دلال و الحلم الوردي ترتكز على إنسانية المؤلف المتدفقة وصولاً إلى أدب إنساني جميل التكوين و الحضور .
ملف المدعو ابن حيون المرجاوي : اختلفت القصة عن بقيـة القصص في طريقـة معالجة الفكرة و تكوين الحبكة التي أدت على إلقاء القبض على ابن حيون المتهم البريء و عاشق حفيظة الشقراء التي كان لها دور بتوريطه حتى أرادته ( ممرراً ) لأشيائه الغرامية و كانت النتيجة أن حفيظة كان لها دور في الجرائم مع أصحابها و زبائنها .
القصة : بوليسية إلا أن الحالة الإنسانية المسكونة بالأديب تسيطر تماماً على كل قصة ، و يفاجـئ القارئ بأن المجرم الملاحق و المتابع من قبل الشرطة هو إنسـان يعمـل و يأكـل بعرق جبينـه و يذكر دائماً بأن الإنسان بمقدوره أن يتراجع و يعترف كما فعلت حفيظة ، و المبدع هنا يحرك شخوصه ليقنعهم أن الحياة أجمل إذا كانت طاهرة ، و يشتغل على إدخال المحيط أو التكوين الاجتماعي ، ليدرك الإنسان أن غلطه سوف يسيء و يجرح كل من حـوله من أهـل و أصدقـاء و أصحاب و أقرباء كما سيحل بأهل هي العمارة بقصة ابن حيون .
هذه القصة كلفت المؤلف كثيراً من الضنى و القلق و الإبحار حتى استطاع أن يخلق جواً تحقيقياً موازياً للجو التحقيقي العادي ، الفكرة التي تناولها و طريقة التحقيق تختلف عن الواقع ، فالضبط له منشئ و محرر و ضبط حسن حميد لـه مقرر و رئيـس مخفـر بقصـد أن يتجـاوز المألوف و يتجـاوز أغاتا كريستي ، إلا أنه ذكرني بالحـالة الواعية التي اسـتخدمها الدكتور رفعت سعيد في روايته ( البصقة ) و هو يقدم شخوصه على التحقيق ، أما صوته و حضوره كان حيادياً يعمل برؤية موضوعية واعية خالية هذه المرة من الأحلام في حدث واحد ، حكـم هـذا الحدث وقائع متكررة على أرض الواقع صاغها بموهبة كما يريد لها فـن القص الإبداعـي .
زعفران و الماسات المعتمة : تميّزت في إبداعها لما حققته من سمات مترابطة مع بعضها في نزوع غير قليل إلى تحقيق جماليات و استخراج غوامض في قدرة اكتشاف عالية تجلت في التفكير بالمرتكزات على كل المتناقضات و الإشكالات لإيجاد فكرة يتمحور خلالها ابتداءً من شخصية زعفران و انتهاءً بها ، إنه الزمن الذي جعله يعمل في ( تلميع ) الأحذية و عندما فكر أن يكون كسائر الناس دفعه أبو الخير إلى ترك مكان رزقه و عيشه بعد أن أفرح ( دغموشة ) زوجته ذات ليلة أجهض فرحته أبو الخير و الشرطي درغام الذي يتسكع على طاولاته و يأكل ما طاب له بالتأكيد ..
و اسمح لنفسي أن أقول : حسن حميد الأديب و القاص قـدم خلال مجموعته إبداعاً فيـه المعرفة و الدخول إلى نفس الإنسان المعقدة ليرصد عذاباته و إشكالاته في التغلغل إلى أعماقه و إلى أعصابه ليحقق عملية التواصل بين الأجيال و همومها بغية الوصول إلى سلوك يرضى عنه المفكر المبدع من شأن ما قدمه ترسيخ حب الكاتب إلى عالمه ، و لقد هيمن تماماً على موهبته بما قدمه لها من قراءة و ثقافة تميّز بها عبر سنوات ليست قليلة ، و برغم عدد صفحات المجموعة القليل أجدني في عالم متباين و أحلام مختلفة و آمال متطورة في تنوّع الطرائق و الأساليب و معرفة الترتيب الزمني و البنية النفسية و التركيبية و يحرص تماماً أن تبقى علاقاته قائمة مع المتلقي على حفاظه بالمقومات و السبل التي تجعل التوازن في سهولة التلقي و قوة المتانة الإبداعية .

Admin
Admin

المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 02/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkhaled.yoo7.sy

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى