قراءة في مجموعة الشاعر محمد طاهر بكفلوني (ورد و شوك)

اذهب الى الأسفل

قراءة في مجموعة الشاعر محمد طاهر بكفلوني (ورد و شوك)

مُساهمة  Admin في الأحد يوليو 06, 2008 4:35 am

قراءة في مجموعة الشاعر محمد طاهر بكفلوني (ورد و شوك)
بقلم الشاعر: محمد خالد الخضر
المعرة تلك البلدة الوادعة التي يضم ثراها جثمان شاعر الفلاسفة أبي الغلاء المعري , هي ذاتها تضم الآن في ثراها الطيب جثمان شاعر آخر من شعرائها و هو محمد طاهر بكفلوني الذي ولد عام 1934 و ترعرع يتيم الأبوين متخذا العلم و الثقافة أهم متطلباته حيث تلقى تعليمه على إرادته دون الدخول في أي مدرسة ثم انتسب إلى الكلية العسكرية و تابع الحقوق ... وبدأ رحلة العيش باحثا خلال وجعه عن كل من يحتاجه ليساعده ويقف بجانبه لم يكن يرغب بشهرة أو مجد و كان يحاول جاهدا أن يجد ما خبأه الله من مواهب و ثقافة بأولاده الذين حصلوا على أعلى مراتب العلم و الأدب " د.طلال و د.نضال و الصيدلانية ظلال و الفنانة نبال و الذي أصبح امتدادا لأبيه الشاعر الدكتور الشاعر جهاد " ... و بعد عناء وقعت في أيدينا مجموعته الشعرية (ورد و شوك ) , المجموعة التي أرسلتها أسرته إلى النور بعيد وفاته .. و هي تضم مجموعة من القصائد الشعرية التي نشرت في الصحافة في مطلع فتوته و شبابه و لعل تلك الصحافة لم تكن بمتناول أيدينا الآن , لأن الزمان درج و أتى بغيرها ((مجلة الرقيب الدمشقية _ الجندي _ جريدة الأخبار الدمشقية )) .
يتميز شعره بموهبة أخاذة تحترم وتقدس أساس الشعر العربي منتمية إلى جذره التاريخي العريق في قدرة على التمسك بمقومات الشعر العربي الأصيل و التي أولها الموسيقى حيث يهتز لسماعها كل ذواق و يبقى الشاعر بكفلوني برغم ما يمتلك من قدرة على الأداء والكتابة والإيجاز في عوالم الشعر محترما كل أنواع الشعر و أجناس الأدب خلال دفاعه عن الشعر الأصيل أمام هجوم يحاول أن ينال منه و هو يدرك تماما أن هذا الشعر إذا امتلك أدواته فالهجوم عليه هو ضرب من العجز أمام كتابة شطر بيت واحد عكس التصنيفات الأخرى التي تتوقف كتابتها على التجارب و أغناها بالقراءة دون الارتكاز على موهبة لا يضعها الله إلا في شعرائه المختارين..
ولعل الأبيات التالية و التي سنقطفها من قصيدته ((لولا القديم لما كان الجديد)) توضح موقفه الشعري ومدى ثقته بنفسه و امتلاكه لمقومات الشعر و كانت القصيدة عبارة عن موقف دفاعي يقول:
وجاهل رام مسخ الشعر فاندحرا و اجتر " بجديده " لغوا به اشتهرا
باسم الجديد , ولم ندرك معانيــه بنى , وأسرف في البنيان,مختبرا
وهددتنا بإفلاس تجاربـــــــــــــه وكم يصر على الإنفاق معـــــتذرا
هذا ما يوضح لدينا أن الشاعر متمكن تماما من القصيدة البنيوية في طابعها العاطفي الذي يرتكز على مروءة العربي وإحساسه المباشر بما يدور حوله فلا يقبل أبدا أن يعتدي أحد على مقدساته المحرمة ,ولطالما الشعر في نظر بكفلوني وارثه التاريخي هو)) ديوان العرب))فلا يقبل أن يمس ولو بكلمة ولعله يدافع عن الذين يتهمون الشعرية العربية بالانصراف عن الغور في الأعماق كالقصيدة الغربية في تجريدها من الخيال كما ورد في أقوال المستشرقين الأوربيين الذين حاولوا أن يزرعوا في نفسنا حقدا على جذورنا بأننا لا نملك سعة في التحليق ولا مقدرة على خلق الصورة وهرع خلف هؤلاء نفر من ضعاف الثقافة والموهبة حيث دعوا لتهديم التراث من الداخل /أدونيس _أنطون مقدسي / أنموذجا واقعياً ويعود بكفلوني بأخلاق العربي القوي ليحترم كل الصنوف معبرا في قصيدته :
لولا القديم لما كان الجـديد ولا صارت بداوتنا في عصرنا حضرا
إن القديم يزهو بالجـــــديد إذا أضاف فنا إلى ماضيه مزدهـــــــرا
هذا وذاك هما رمز الرقي فمن يدركهما يبصر التاريخ قد حضــرا
يتبين مما ذهب إليه أن الحالة الإحساسية دفاعية المنشأ فهو مع كل تجربة تطرح نفسها على أن تكون قادرة على العيش بين الكائنات الحية التي من المفترض أن تكون محترمة بينهم ..بيد أن نقده وهجومه لخصوم يعتبرهم ضده وطنيا ويرى في نظرته وإحساسه أن مستقبل الصمت عنهم خطير , فهم يكتبون ما ليس له علاقة بناسهم و يفرضونه عليهم ليكون تبعاً للغرب و سواهم من أعداء هذه الأمة العربية.
من أجل هذا يقول "بروكلمان " : "كان الشاعر العربي يصنع مجده , و يجذب الأنظار إليه بالملاحظة الصائبة أو التشبيه القوي . " و يقول الشاعر محمد طاهر بكفلوني :
يبقى الجواد أصيلاً رغم كبوته و إن تخيلته في شوطه عثرا
و يقول تخيلته لأن من الواضح أن هناك نفر قليل هاجم القصيدة العربية دون أن يقرأها و يدركها و يدرك ما فيها من خيال و صور و لو أنه فعل لما تورط بذلك و إلا فهو يكتب و يهاجم كما يريد له سواه .
و تندمج الصورة بالإحساس الذي هو أساس الانفعال بالإدراك الواعي لتتدفق الموهبة و سرعان ما يظهر تأثير هذا النوع من الشعر و الثقافة بروح الآخر و وصوله إلى دمه و قلبه بسرعة لا تحدد يقول البكفلوني :
ولىَ الربيع و كم أشجاك مرتحـــــلا و راح يدعو خريفاً موحشا طللا
و رحلة العمر تمضي و هي سادرة و ركبه يغتلى في عدوه ثمــــــلا
و ليس هذا فحسب لا بد لنا أن نتذكر قصيدة ابن الرومي و انسياب صور البحتري و الامتناع و العصيان الكامل وراء القصيدة في حال تمت محاولة كتابة قصيدة مثلها في تركيبتها الحقيقية التي تتشكل ماهيتها خلال عبورها في نفسية الشاعر المجنحة فيتضامن المكان و الزمان في الشكل الآلي و الجدلي لتكون القصيدة , و لا تنفصل هذه القدرة عن المروءة المكتسبة يقول :
و أن جنحت إلى الحسناء , تقرؤها قصيدة لم تحد عن وحيها سبلا
فللجمال خيال لست أنكــــــــــــــره جدا اتساعا و ضاقت فطنتي حيلا
هذا التصابي يراه البعض مصيدة فاحذر شباك الهوى و الصيد مبتذلا
و لا بد لي أن اقدر ما أراد أن يقوله (وارين) و مآله أن للشعر وظائف و أهمه أن يكون أمينا و صادقا مع محيطه و على الشاعر أن يقوم بوظيفته العالية موحدا بين الشكل و المضمون و محافظا على الثوابت و القوانين التي إذا تخطاها الشاعر هذا يعني أن عامل التنظيفات بمقدوره أن يقوم بهذا الدور و يخلط بين القبض على المكنسة و القبض على الفكرة أو حسب الحالة العاطفية و فكرتها على شكل القصيدة .
لذلك نجد أن الشاعر الحقيقي يعتبر أن هم وطنه و أبناء نوعه همه و ألمه و لعل مقولة احد الخلفاء الراشدين
(الشعر ديوان العرب ) وثيقة هامة مرتكزها التزام الشاعر بقضايا أمته أيا كان نوعها .
و الشاعر بكفلوني أدرك الأحداث المصيرية و الهامة التي عصفت بأمته العربية و اعتز بانتصارات مصر أيام بور سعيد و دفاع شعبها عن كرامته ضد الانكليز و الفرنسيين يقول في قصيدة مصر تتكلم :
تحديت أعدائي بمفردي و أوسعتهم ضربا بحد المهند
إلى أن يقول :
أنا مصر و التاريخ يذكر دائما رباطة جأشي بافتخار و سؤدد
و هذه الروح الإنتمائية الموجودة عند الشاعر على سعتها و امتلاكها في أداء المعنى إضافة يؤمن بالتجديد و يؤمن بالحداثة التي لا تهدم اللغة و التراث و القضية و لا تعبث بالجرح , و يمتزج الإيمان بالمقومات المشار إليها آنفا فنشاهد أن قصيدة دمشق على جمالها و ممتلكاتها الإبداعية تخرج من إطار التقليد , و يأتي بمعنى آخر قوامه أن النفس التي تعيش في قصيدة الشاعر حرة جامحة تعمل بنظام قومي وطني أخلاقي لا يمكن العبث فيها إطلاقا تسمو و تتحدى يقول في دمشق :
لا تقل قد تحول الدهر عنها إنها كوكب على الشرق أشرق
منبعا لفكر و الثقافة و العــــــــــــــرفان و المجد و الســــــــــــــنا .......فترفق
و في حديثنا عن القومية و الانتماء و الارتباط باللغة و المقومات الهامة للقصيدة نجد أن اللغة على القصيدة كالورود في الحديقة تأخذ جاذبيتها من الشغل عليها بشكل صحيح في الجزالة و التنسيق البنيوي و المحافظة على الموسيقا و الإقلاع عن استخدام أي مفردة لا تصل إلى مستوى الشعر العريق , هي عوامل تطلع كالينبوع من الروح الطيبة التي تتمتع بالثقافة و لا بد للروح الطيبة و الواعية و المخلصة من أن تمتلك شيئا آخر هو الانتماء و الزود عن الحياض و الإباء هذا ما يجعل الشاعر كما أوردنا سابقا أن يخرج من بيئته و ثقافته و أخلاقه و هذا ما نراه في دمشق حيث تشبه الشعار تماما فمن يعرف شخصيته و يقرا قصيدته يجده متحليا بالثقافة و دمشق كذلك و بالشجاعة كذلك و ها هي دمشق كما يقول عنها :
رب ليث في الحرب قد قهر الدنيـــــــــــــــــــــــــا و لما أراد جلق اخفق
و مليك قد عاد خذلان لما جاءها طامعا على رأس فيلق
هكذا صوت من يريد استلاب الحق بالسيف : صرخة ثم يخنق
هذا ما يدل على أن الشاعر في قصيدته يصل إلى درجات القناعة القصوى و لا يتوقف على قدرته في الصياغة و الديباجة الحسنة بل لا بد من الإخلاص للإحساس و هو ما يتوفر أمامنا و هذا ما يثبت لدينا انه يمر بلحظة الانفعال و هي السلطنة العليا للنغم المشتعل في دواخله حيث تأثره بالآخرين , هذه الصياغة و هذه الخبرة ستظل عبر الأزمنة تتوافق مع تجارب الآخرين و المجتمعات المكونة منهم و إلا كيف ظل عدنان المالكي الفقيد الشهيد ماثلا أمامنا حتى اليوم لولا عصارة العواطف المصاغة بشكل فني كبير يخلد في نفوسنا عبر موهبة عبقرية , و نقتطف من القصيدة :
يا فقيدا قد ضمه اللحد محزونــــــــــــــا و سادت لفقده الغبراء
شعلة أنت نهتدي بسناها و حسام مجرد ...و مضاء
اخطأ القائلون انك ميت إن أقوالهم لعمري هراء
و من الواضح انه اشتغل على تطوير القصيدة و تحديثها إلا انه استثنى الوزن و القافية و هذان من الثوابت التي يؤدي تخطيها إلى إسقاط أهم أشكال الشعر في قناعة شاعرنا و اقتصر على اللفظة و التركيبة الشعرية لأنها أشياء تخص الوجود البيئي بما عليه من طقس و حياة كما أن القصيدة الحديثة التي تخرج عن العاطفة و الانتماء تدخل في إطار الهستريا و الكيمياء و لا تتمكن أبدا من عكس تاريخ شعبها و ناسها فهي تخص كاتبها فقط , و لهذا استشهد بنزار قباني الذي قال :
(إن أصحاب هذا النوع من الشعر لا يجدون من السميعة إلا أنفسهم ) خلافا للشعر ألانتمائي فهو الأقدر على الارتباط بضمائر الأمة لأنه قادر على عكس فلسفتها و أحلامها و أمالها و طموحها و إلا ما الذي دفع طاهر بكفلوني ليشعل عواطفه و يكتب في تأميم قناة السويس و من القصيدة :
ما لهذا الغرب قد ضج لتأميم القــــــــناة
و ارتدى الحيلة ثوبا حاكه حلم الطـــغاة
و رأى أن يحرم الأحرار من حق الحياة
فليثق أنا نذوق الموت عذبا كالفــــــرات
و ليس بمقدور من يدعي أن هذا النوع من الشعر عاجز عن استيعاب التجارب الإنسانية و ما يعتري الحياة في واقعنا المعاصر لان أمامنا معايير و قرائن تدل على محتويات قصائد الشاعر بكفلوني و التي تتضمن كل هموم و أحداث المرحلة التي عايشها و تركيزه على الهام منها , و ثمة أمر جدير بالذكر : أن اختيار الشاعر لبحور غير ما يختاره شعراء اليوم أمر ملفت للنظر ربما كانت التفعيلة \ فاعلاتن \ اشد صعوبة إلا أنها جاءت في سياق البنية الموسيقية للقصيدة عذبة و جذابة كما اهتم بخاتمة القصيدة في كل موضوع يأتي به .
و غلط من يقنع بالمقولة ((أعذب الشعر أكذبه)) بل تصدق المقولة : ((أعذب الشعر أصدقه )) لان القصيدة هي تجارب الشاعر و منعكسا لواقعه الحياتي حتى لو اشتغل عليها بالرمز و الفلسفة و محاولة إخفاء دواخلها كما فعل أبو العلاء المعري جد الشاعر محمد طاهر بكفلوني .

Admin
Admin

المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 02/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkhaled.yoo7.sy

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى