دراسة في المجموعة القصصية" حانات بغداد"ـــ بقلم: محمد خالد الخضر

اذهب الى الأسفل

دراسة في المجموعة القصصية" حانات بغداد"ـــ بقلم: محمد خالد الخضر

مُساهمة  Admin في الخميس مارس 19, 2009 3:41 am



دراسة في المجموعة القصصية" حانات بغداد"
لمؤلفها مصطفى عبد القادر بقلم: محمد خالد الخضر

لاتختلف القصة في مكوناتها أبدا عن الأجناس الأدبية الأخرى ، فالحدث وما يترتب عليه هو ابرز ما تتكون منه القصة ، وهذا ماكان يعبر عنه الكاتب الإيطالي الشهير "باكاتشيونابولي" يتطلب
والحدث في القصة يتطلب تسلسلا منطقيا تتوفر فيه أسس الوصف وحركات الزمان في الطبائع المختلفة والتواصل الحركي الذي يجعلنا نشعر أننا أمام بناء يترك أثره الأخاذ في نفوسنا
الجامحة صوب أدب يعبر عن قهرنا ومآسينا أو أفراحنا القليلة في زمن انهزمت فيه السعادة إلى اجل مسمى .
مصطفى عبد القادر : استهل مجموعته بقصة " مطر يابس " التي دخل إلى أحداثها بمشاعر مكثفة
مليئة بالصور والأحداث التي تفور منها العاطفة وكأنها قصيدة شعرية في ليل حزين تشبه دراما
ترتفع وتيرتها في إنسانية كثيرا ما تقض مضاجع المجتمع ، فليس أصعب على الرجل من وقوعه
تحت فأس لا يرحم .. يترك زوجته التي يذوب فيها حبا لأنه مسلوب القدرة على الإنجاب ليراها
بعد زمن ليس طويلا ، وهي تقترن برجل غيره ، وتسير على طريق الحياة وبيدها طفل كم كان
يحلم أن يكون من صلبه ، فها هو من رجل آخر أحذ مكانه وعاش على أحلامه .
ولا بد للقصة التي تدخل في دائرة الفن ومنظور التاريخ أن تمتلك أيضا حالة التوازن الموجدة في النص الشعري , والذي يقال عنه هناك توازن موضوعي .. أما هنا في القصة يجب أن يحقق حالة من التتابع والتماسك بين وحدات القصة أو عباراته متمكنا كاتبها من الانتقال إلى الحدث الآخر أو الحالة الأخرى بشكل قوامه الوعي و الوطن ، كما هو الحال في قصة " فكتوريا " .
التي توجه ضربة إلى الجهل ، انتقل فيها إلى حالة وطنية تبين أن الإنسان العربي لا يمكن أن يتلاءم
مع اليهود حتى ولو سكنوا جواره هادئين لأن هناك من اغتصب منهم أرضنا وقتل أبناءنا، إلا أنه
استخدم طريقة تختلف عن الطريفة التي استخدمها في القصة الأولى فهي أقل هدوءا منها في كثير من التأني والتفكير وفي تصاعد الخط الدرامي إلى الأعلى حيث وصل إلى مبتغاه ولم ينزل .
وتمتلك القصة المقدرة التي تتمكن من تحليل الواقع الذي يحتوي على قصة ما بشكل معرفي
يعمل ويؤسس على استباق المتتاليات من الأحداث المادية ، لتحقق أمامنا صورا مليئة بالعواطف
تحركها شخوص تتباين في مكنوناتها الأخلاقيات المتفاوتة التي تترتب عليها عقد من شأنها أن تحل أو تبقى رهن البحث والتفكير في عالم الخيال البعيد.
ولا بد للقصة من وظيفة مهمة تسكن روح المتلقي مع الظواهر المدهشة التي تصحبها ، وهذه الأشياء الفنية تتوافق مع قصة مصطفى عبد القادر " حانات بغداد" .
القصة التي يضاف إليها على قلة سطورها شيء آخر ، هو الرمز الذي يهز أطناب العرب ، ويحذرهم من مغبة ما يفعلون .

وتلك الأخرى قصة "سقوط فرعون" ولعل مصطفى عبد القادر الأديب الذي لم تهتك موهبته موجة الصقيع ولا حالات التحول الزائفة أو الحضارة الزنديقة المحملة بالوجوه الرامية إلى قلب مفاهيمنا .
أجل لقد قدم في قصة حانات بغداد مالم تقدمه عشرات المحاضرات ومئات القصص .. لقد أراد للغزو الثقافي القادم إلينا من المجهول أن يرتد على أعقابه فأتى بما أتى .
ويتوجب علينا أن نبين هنا القدرتين الماثلتين في كتابة القصة عند الكاتب ، فيبدو التشكيل والإيحاء متلازمان بوضوح .. لأن كافة الأشياء التي استحضرها في تكوين القصة تظهر قدرة التحويل والتشكل
مع الإيحاء ليصل النص مليئا بالنصر ، واقصد هنا بكلمة النصر : مقدرة الكاتب على التوافق والتوفيق
بين نصه وقارئه الذي ربما لا يتوازن إلا مع كاتب يمتلك أدواته .
ولاحظنا أنه في قصة فكتوريا كان مختلفا في نمطه الفني عن حانات بغداد والقصص الأخرى مما يوحي أن الكاتب قد تمكن من صنعته فقصة فكتوريا تمكن خلالها من تحويل الحديث في إثارة هادئة أم القصص الأخرى فهو ينقلنا إلى ساحة الحديث عن الكنايات والاستعارات والتتابع التشويقي رابطا النقلات بعلاقات الأفعال لتستجيب القصة للتوزيع بين الأنماط التي قدمها على اختلاف مكوناتها في طرائق توحي إلينا على أنها مألوفة .
وهكذا قد ظهر في قصة "المشموس" التي أراد لها الكاتب أن تكشف عن زيف الكثير من الأدعياء
وربما هو الأصح أراد لها أن تعبر عب الكثير من المعاني الكامنة وراء مجتمعاتنا التي باتت فقيرة في القيم والطموحات الحقيقية .
ومما لاشك فيه أن القواعد التي تجلت في دراستنا لقصص الكاتب مأخوذة من أحداث الوجود الإنساني
ومن أفعال الأشخاص وتقلبات ظروفهم ، ومن آلام حياتهم ولا أدري إذا كان بمقدورنا أن نسمي هذا التنظيم المكون لنص القصة بالنمط الإيديولوجي كونه يؤدي أنماطا معينة في سلوك مختلف عن الآخر وأنا أرى أن الانتماء الإنساني إلى الحقيقة يخرج من هذا الإطار و إن كانت ثمة تسميات تدخل هذا الإطار أو سواه , حتى وان كانت واقعية فلا أرى أبدا" من المنطقي و السليم أن نقول عن نص يحمل في مكوناته لاما يذهب إليه الإنسان الواعي هو إيديولوجي , و إن مصطفى عبد القادر الذي مال إلى الشاعرية المجردة من التهويم و التي اقتصر رمزها على التداخل بالحدث الذي يخص الإنسان صاحب الحالة التي نجمت عن التواصل الوجداني بين مؤلف حانات بغداد و بين ناسه و مجتمعه الممتد من الماء إلى الماء ليقدم لوحات تشكيلية أو قصص درامية كما هو الحال في " عجلة الزمن " .
هي القصة التي دفعتني لأرى فيها ما تمتلكه الأحداث في الحوار و الذي طالما دار بين الشخصيتين الأساسيتين في القصة على اعتبار أن المدركات الحسية ترتفع وتيرتها أثر من سواها لأن المفترض أولا" في كتابة النص هو الدخول إلى النفس و إدراك محتوياتها كما المفترض نقل ماتحتويه إلى النفس الأخرى لأداء الوظيفة السامية من خلال الدلالات الكامنة في الجوهر .
و نتابع قصة "من يجيد القراءة" : يأخذنا الكاتب إلى قصص عبد الله بن المقفع التي اشتغل فيها على السنة الحيوانات بيد أن مصطفى عبد القادر جعل العلاقة توافقية أمام ما تثيره القصة من حركات ورموز وبين الفعل العاطفي المنبثق من جراح الشخوص الذين يمثلون المجتمع على وجه الخصوص, لقد أنسن الكلاب و أعطى الحالة انفعالاتها الحركية ليعالج مشكلتين إنسانيتين الأولى ظاهرة الجوع المتفشية في العالم و الثانية و صول الجاهل و الأمي إلى مكان يصبح فيه الفرق بين الموت و الحياة شيئا لا معنى له, فهاهو قد يقتل لأنه لا يتقن القراءة, و لو أدركها لأعفى عن كل من أمامه, و هم يبحثون عن لقمة عيش تسد رمق صغارهم السغبين.
و يتمن من إثارة ردود أفعال تنتشر على أجهزتنا العصبية و غرائزنا المتنوعة التي يخمدها الإحباط بالإدمان و الموت وصولا إلى انعدام السبل الرابطة بين أبناء المجتمع الواحد , وهو الحال عينه في قصة "رياح بعد الأربعين" إلا أنه في قصة "وزيرة عصرية" تلك القصة التي ألقت الضوء على كثير من مظاهر الفساد التي اكتسبتها المرأة بعد فهمها الخاطئ للحرية فانعكست على سلوكها وتصرفاتها مستخدما أسلوب ساخر فيه الكثير من الحذر بغية عدم الانزلاق في "مطبات" وقع فيها كثير من كتاب الأدب الساخر و الأدب الجاد: مستخدما العواطف الإنسانية والوجدانية في إعادة تركيب الموروث بخبرة ثقافية تطلع من ذات واعية فيها الكثير من الحوافز حيث نجم عن ذلك صورة إبداعية مبتكرة غير مطروقة الأسلوب أو الفكرة بغية الوصول إلى صفعة ليست بالقليلة على وجه التخلف الذي بات يأخذ منا عنوة تسمياته التي تحلو له تحت ستار التقدم و التطور دون الاقتراب من مضامين هذه الأشياء التي من شأنها رفع مستوى الإنسان سواء كان رجل أم امرأة في مساواة لا تمس أبدا بشرف المبدأ.
و الجدير بالذكر أن الكاتب مصطفى عبد القادر في قصصه يعمل على تغير بنية الخط الدرامي للقصص في محاولة ناجحة على إبقائه متصاعدا كما أسلفت, ففي قصة"ضيف في زنزانة" يصور حالة اجتماعية فيها مدى تعلق الإنسان بناسه و أحبابه منتقدا بطريقة واعية بعض القائمين على السجون في مناطق مختلفة من وطننا الجميل مركزا على كثير من التحولات التي طرأت على حياة شعبنا في العراق الشقيق.. حيث تظهر مقدرته الإبداعية في خلق عناصر القصة, و ينبغي علينا أن ندرك أن أديبنا وصل إلى مرحلة"التأفف و الضجر" من واقع ألمه ليس بالقليل, وإنه يتمرد تماما على واقع الكبت خلال كل الأشياء التي عاشها أو طرحها, حتى في قصته"مرارة العمل" و إن صراعاته العاطفية المتجذرة في أعماقه الأصيلة فرزت أشياء و صلت إلينا و إلى التاريخ لم تقصر ثقافته و موهبته في صقلها مؤكد لنا أن القصة لا تزال بخير بعد أن كثرت الشكوك حول قرب احتضارها في عالم هو أوضح لنا مدى انهزامه أمام المقدرة على تطوير الأجناس الأدبية بطريقة أشد تعقيدا و أكثر وصولا إلى القارئ.

Admin
Admin

المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 02/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkhaled.yoo7.sy

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى