قراءة في ديوان ( كـأنّـي أرى .. ) للشاعر عبد القادر الحصني

اذهب الى الأسفل

قراءة في ديوان ( كـأنّـي أرى .. ) للشاعر عبد القادر الحصني

مُساهمة  Admin في الأحد يوليو 06, 2008 4:23 am

قراءة في ديوان ( كـأنّـي أرى .. ) للشاعر عبد القادر الحصني
بقلم : محمد خالد الخضر
( ما كان لهذا الشـاعر أن يزعـج صمت الأبـدية ، أو أن يفتـح فاهـاً كان تعـزّل في إحـدى الغابـات النائية ، و أطبق جفنيه على المتبقي من أخضر هذا الكوكب )
هو سؤاله الذي طرحه ، و كثيرة هي التساؤلات و الإجابات التي اشتغل عليها شاعرنا الملهم عبد القادر الحصني ، في تفسير شفاف لأحداثٍ تغلغلت في عروقه فاشتعلت مشاعره و في أحداثٍ سبق وقوعها في قريحته و موهبته إلا أن قارئ الحصني يشعر أنه أمام إشكالية صعبة و تجربة مركبة تتصاعد فيها كل القيـم المتزايدة ـ ـ هـو يقول :
معـاً نحن في صـورة الحـلم
نهر المجرة سيل كواكب زرقاء
و الليـل أخضـر
لحظة التحويل الكبيرة بعد تراكم الكم الهائل داخل الحالة العصبية أو الإنفعالية التي تصبح المادة الإبداعية عند شاعرنا ، و عندها نجد لديه صدى شديداً معقداً لكثيرٍ من رؤى و أحاسيس تخص نوعيات البشر المختلفة و المضطربة تتصل بهذه النفس المرهفة إلى تلقي ممتع ..
بل ربما نجد الكثير من الإتجاهات النفسية التي تأخذنا .. تعـالوا نقـرأ :
سـلاماً أنـا طفلك الأشـيب كبـرت و لمّـا أزل ألـعـب
أمـر عـلى ورقي بالمـداد و رأسـي عـلى راحتي متعب
و تتراكم القيم و الظروف و النصوص المقـروءة و الألـم و الجـراح ، فيتحـرر الشاعر من العشوائيات و يستنبط الخفايا المختبئة وراء الأسوار ليجد القيم المتراكمة في نفس الإنسان المضطهد و المجروح .. إنها النزعات الطالعة من ذات الأديب و التي تحتوي من المؤثرات ما لا تحتوي ذات أخـرى ، إنها ذاته هو المعبّرة عن جماعات و جماعات و عن أحلام فرحة و مضطهدةٍ و منكسرة على أعتاب روحها يقول :
يا محمّـد
يا احتـراق الـورد في القـلـب
و يا للحـلم الأخضـر ، مذبوحاً
عـلى أعتـاب معبـد .
و برغم كل الأسـى و القهر و الحرمان المتفتّح كشقائق النعمان على وجه الشاعر عبد القادر الحصني يمد يده ليشعل اللون الخضر في موتنا و انكسارنا لتشبه قصيدة الكوميديا الخفّية في ضحكة أزلية من أباطيل العالم المتردّي .. اقتطف من قصيدته المبحرة في الأعماق ( إمض يا ذئب ) يقـول :
سوف أنسـلّ إليهـم لـو على شـكٍ و ريـبْ
إمض يا ذئب سيطوينا و يطويك إذا حـلّ نهار الناس غيبْ
و تذكر وجه صعلوكٍ ، تمنّى هذه الليلة لو تحمل
مـنـه إمـرأة طـفـلاً ، يسـميها ذؤيـبْ
إمـض يا ذئــب ... إمـض ...
يأخذنا الشاعر الحصني من يدنا كمن يمشي في الوحل و الظلام و يصّر و هو يلهث أن نصل إلى مبتغانا . ربما يتألّم و تتدحرج دموعه المدماة كسائر الشعراء المنهمكين فترتبط بالوصل المتحول عاجلاً إلى قداسة التراب ، نحن الذين وصلنا معه و أين أصبح هو و إلى أين وصل ؟!
نمضي نحن و نتركه وحيداً هكذا مصير الشعراء دائماً في فطرتهم المشتعلة و طيبتهم المتصاعدة ، تجعلنا نبحث عما يخمد أشياءنا الملتهبة في الشمس الخضراء .
و المنطق السريالي الساحر هنا في شغافه المكتوب عليه نجـد :
رأيـنا في عينيه الشمس المنسابة في اليخضورْ
و رأينا في منطقه مطـراً سـريالـيّـاً و طيـورْ
و سألناه عن اسـم حبيبته ، فأشار إلى واحدةٍ منا و سألها :
مـا لــون الـنـورْ ؟
كل هـذه الأشـياء الجريئـة تخـرج من حنـايا الشـاعر و لابـد لي أن أشـير إلى أن تناغـم الحزن و الفـرح القليل المتخفي .. يختـار تفعيلته أو بحره أو نهره و مجـراه ( متفاعـل ـ أو فاعـلات ـ ) أو سـوى هـذه التفعيلات .. تدلك على البنية التركيبية المعقدة في قصيدة الحصني :
سأطلق روحي في المساء كموجةٍ و أسحب كالمجنون من تحتها رملي
و لا يتوانى أن يتـآلف مع البحر الطويل ، فلا صعب على الشاعر ، لأنه متمكّن من الموسيقا إلى أن يعطي دلالته في المقدرة الأزلية على تدفّق نغمه بانسـياب و لا تسكن مقطوعة شعرية في قلب إنسان ما لا لم تتصاعد منها الموسـيقا كنوافيـر العطر أو تتساقط على عواطفنا كرذاذ العبير .
و هنا تذكرنا القصيدة و حالتها الإبداعيّة بأشكالٍ فنيّة متتالية في لوحةٍ تشكيلية يحتاج المتبّصر إلى مشقّة في فك تركيبها فيأتي تناسق و تناغم و تداخل و احتراق الألوان ليطلع خلق جديد فيه ما فيه من أشياءٍ تدل على جديدٍ في المكان و قـوة في الحـدث .
و تتغير القصيدة بكافة ما تحتوي من مقومات و تخرج من حالتها التشكيلية لتدخـل حـالةً أخرى تذكـرك بالكون و النفس و الروح في فن السهل الممتنـع ، و لعـل هـذه الحـالة الشـعرية كمـا أراهـا تحتـاج إلى صـعوبةٍ أكثـر و جهـد أوفـر .. فكيـف تتـوافـق تلـك التفعيـلة القصيـرة الحركـة و الواسـعة النزيف أو الفـرح مـع الأوهـام و الأنـواء و الأشـياء و الذكـريات لتأتي قصيدة باقيـة على اكتمـال الفـرح :
و مسّـح قوامي بزيت يديك اللتين تـذوب على ســحرهنّ يـداي
و لا تتنهّـد بغيـر شـفاهي إذا صـرت نـاي
و لا تتغيّـر
هـذا ممـا أراده عبد القادر الحصني .. فبأي قـلـم يكتب الشعراء و كيف سـأكتب عن شـاعرٍ كما رأيتـه يحمل في عينيه قهـر العالـم و حـزنـه و وجـه قصـائده ، و عنـدما يفاجئني و يرشّني بالعطر و يغمـرني بالياسـمين .. أكتب عـلى طاولتـه : عـاش الشـعر و الشـعراء .

Admin
Admin

المساهمات : 145
تاريخ التسجيل : 02/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkhaled.yoo7.sy

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى