قراءة في ديوان أيها الأرمني الجميل لأحمد الدريس ــــ بقلم : محمد خالد الخضر

اذهب الى الأسفل

قراءة في ديوان أيها الأرمني الجميل لأحمد الدريس ــــ بقلم : محمد خالد الخضر

مُساهمة  الشاعر في الثلاثاء سبتمبر 23, 2008 11:53 am

قراءة نقدية في ديوان أيها الأرمني الجميل للشاعر الدكتور أحمد الدريس
بقلم : محمد خالد الخضر
لابد لنا من التعامل بشكل عقلاني مع أدوات المنهج التحليلي أثناء قراءة القصيدة الشعرية لنتمكن من الخوض في مقاصدها , و فيما إذا كانت القصيدة مقيدة بين براعة الشاعر و نوازعه بغية الوصول إلى أشياء هو راغب بها سواء أكانت الأشياء في أطر سياسية أو اجتماعية أو مادية أو عاطفية ... حينها مهما كانت القصيدة جملية و رائعة يتراجع مستوى مكانتها في النفس البشرية مالم تكن تخص الإنسان الذي يطمح أن يداوي جراحه لدى قراءة أو سماع بيت شعر أو قصيدة .
و حين تتجلى القيمة الشعرية و الإنسانية في النص الأدبي ينحسر التاريخ و تذوب الأنا و تتوحد الرؤيا و يصبح النص رائعا" ومفيدا" في كل مراحل التاريخ و الأزمنة ولولا هذا الأمر لما حاول نزا ر قباني و قبله بدر شاكر السياب و أمل دنقل و غيرهم أن يكتبوا قصائدهم بمنأى عن دار مية أو أطلال خولة و حاولوا الغوص في أعماق الإنسان المقهور و الثائر لتتوحد الحالة و تتألق مع الاحتفاظ باعترافي الكامل أن القصيدة القديمة لايعلى عليها من حيث البنية و الصورة و طريقة التركيب .
و لعل الشاعر الدكتور أحمد الدريس الذي طلع من قيظ الصحراء محملا" بالأحلام و الورود وأصوات القطا المتجانسة جدا" مع تناغم الريح و عبق الخابور ـــــــ أحمد الدريس : لم يتمكن التيار برغم قوة طغيانه أن يأخذ في جريانه شيئا" من عقليته المجبولة بعزة عنترة و عنفوان نزار و عروبة قحطان , فكان صانع الإشكالية في زمن اشتدت فيه التناقضات و تباينت الأصوات و تنوعت المطامع .... راح يكتب على مزاجه و هو يعرف تماما" كيف يتعرض الشاعر للمطالبة بدفع الثمن , ومزاجه ذلك الذي لا يقبل شريكا"في نسيج العرض و الكرامة .... لقد قض مضاجع أصحاب الشأن و هم في مواقعهم فاجتروا صفعته لأنه ضبطهم متلبسين , فتكلم هو و صمت سواه , و كتب قصائده بالنار فتحترق أصابعه فداء لجرح ما .
و حتى تتوثق عباراتي و ما أرمي إليه ... أحمد الدريس متفردا" في صدور قصيدته " أيها الأرمني الجميل " مبتعدا" عن الأشياء التي تضخم "الأنا" برغم أن طبيعة أدبه ,وحديثه ومليئة بالشموخ والثقة بالنفس إلا أنه يثبت للمحيط المترهل و المجتمع الثقافي الذي انقسم على نفسه أن الإنسان أعظم وأنبل المخلوقات كلما كان حراً بعيداً عن التبعية أين كان نوعها ....
قصيدة سراج الدم من المجموعة يقول فيها :
كم الأرض واسعة كالألم !
كم مشينا وليل قوافلنا . . . ليل خوف ثقيل … أناخ بكلكله ….
تحت خيمة أوجاعنا الوارفة .
وبشكل عفوي يتمرد على الصحراء والبيئة وينقلها إلى مستوى فني ومعنوي واجتماعي في الظواهر والأسس الراقية دالاً إلى عظمة إنسان.... ربما هو لا تربطنا به صلة رحم إلا أن سلوكه ذلك ألأرمني جعل الشاعر يؤمن بأوجاعه الوارفة وآلامه التي ضاقت بها الأرض . رافضاً الشاعر الدر يس القبي0لة الجائرة والتشرذم الإجتماعي المؤدي للظلم والعنصرية والعدوان ,فهي النظرة الدينية التي تذكرنا جميعاً بالآية العظيمة "ياأيها الذين آمنوا إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ,وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.إن أكرمكم عند الله أتقاكم " صدق الله العظيم, والحديث النبوي الكريم "لا فرق لعربي على عجمي إلا بالتقوى " في أيمان كامل بهذه الدلالات العليا والاحتفاظ بشرف الانتماء إلى الأرض والأصل والجذور
وينتقل الشاعر الدريس ليقول :
أرمني أنا ...وقتلي انبعاث ...قل لنخل الفرات ...كيف تعاليت !
وماذا شربت غير جراحي ؟
ويقول :
في حروف الفرات يصرخ :هذا الماء جسمي
أنا الحياة .... ومن خالطته سلوى الخلود .
يستخدم الدريس الأدوات الفنية والتحليق الخيالي ,والبحث عن التركيبة الشعرية المناسبة ليستخرج القيمة الفنية والاجتماعية التي تبلور جوهر الإنسان ويدلك على أنه يساويه بكل شيئ مسجلاًعلى وجه الزمن مآثر هذا الأرمني قاصداً أو دون قصد تجسيد الروح الإسلامية العالية التي تربط الإنسان بالإنسان وتمنعه من ممارسة أي طقس يصطدم أو يضر بالإنسانية .
ويشير ذلك إلى أن القصيدة الموجودة أمامنا اعتمدت عوامل مدنية و حضارية حديثة ذات بنية فنية ترتكز على أسس الشعر الحقيقي وعلى الآداب والأخلاق ...
التي تجعل الإنسان لا يفتش في الحياة إلا عن وجود كريم ,ولا يخفى على أحد أن العملية الجديدة في كتابة الشعر الحديث في القرن الأخير وقبله ,كانت قد اصطدمت بعوائق نفسية وثقافية استطاع الدريس ان يخلص قصيدته من إشكالاتها فابتعد عن الرمزية الفادحة المؤدية إلى انهزام القصيدة واعتمادها على المخادعة والتهويم , واعتمدت على فكر وثقافة خلال إبداع وعادات وتقاليد من أمته دون أن يقبل الانفصال عن الجوهر الحقيقي للنص الشعري الذي لامجال فيه للمزاودة أو النقاش في قدسية ثبات كينونة القصيدة ليقدم هديته إلى أخيه الأرمني في قصيدة حقيقية لالبس في أسسها ومتانتها يقول وهو يخاطب الشاعر الأرمني "كريكور نار يكاتسي"
ما أشرس ساعات الليل الثكلى
حين تمر سكاكين الحزن على قلبي
ويداف الملح بجرح الغبطة .
أذكر خارطة الأوباش .... بلاد يركلها من يأكل خبز سنابلها
يبصق في جبهتها... حوذي العربات العجلى ...
وهي تمر على الجثث الحبلى بجنون زناة التاريخ .
تتجلى المفارقة ونرى مسوغات الاختلاف بين السلوك الردئ الملتزم بالوحشية والعدائية وانعدام الاحساس بالآخرين وبين الإنسان الراقي الملتزم بإنسانية أخيه .
في قصيدة البشارة يقول :لتفتح للشمس درباً ...وتعلن أن التراب ... يبشر بالقمح من حبة .... أن قافلة الأرمن الميتين تشق الطريق إلى بيت لحم .....تبعث النواقيس ...كي ينبض الجرح من (غضب ساطع )في عيون الحفاة .
تحتوي القصيدة على بناء متطور ودلالة متعددة الوجوه عبر النمو الدرامي الذي يصب في النهاية في فنية النص المترابط المعنى ومقوماته التي تأخذنا إلى تفاؤل يسطع كالضوء أمام القناعة الكاملة بأن الظلم يزول عبر هذه القصيدة التي تميزت تماماً عن الكلام العادي , وهي تفور بالأحاسيس وتنبض بالبساطة حيث نحن نقف باحترام أمام نص من السهل الممتع أومن الواضح أن الشاعر يشارك في نهضة الشعر الحديث متأثراً بالثقافات الشعرية المتنوعة العربية منها والغربية موفقاً بين المدرستين مفضلاً ما يروق لقارئه حيث اعتمد هنا الشروع بكتابة الشعر المرسل المرتكز على وحدة القصيدة وموضعها , الومضة الشعرية التي تعطي دلالتها المعنى والموضوع في أحيان كثيرة خلال كلمات لا يصل عددها إلى العشرة مثلاً يقول في القدسية :تعودين ..
كل الدروب تجيئ... على وقع أقدامك الحائرة .
ويحاول الدريس أن يبتعد في منظومته الحديثة عن أولئك الذين يشنون حرباً على التراث بحجة أن الإنسان أولاً ... معتمداً على أن التراث هو أكثر من قدر الإنسان لتكون الكلمة في تركيب قصيدته مليئة بالأحلام القابلة للتحقيق في شخصية ثائرة على الظلم وتمتلك كل الطموحات المؤدية للعدالة والمساواة واحترام الإنسان لأخيه الإنسان
وتختلف الحالة عند الشاعر الدريس في انه يمتلك مقومات الشعر العربي الموزون والأصيل والتفعيلة المليئة بالنبض والعواطف , ومن هنا كان انفتاحه على القصيدة الحديثة انفتاح الشاعر الواثق والقادم من الحقيقة, ليس كسواه حتى وإن حسن النص الشعري بين يديهم كمحمد الماغوط ...........مثلاً الذي ارتفع مستواه الفني في مجموعته /سأخون وطني/ وانهارت كل قواه في مجموعته/ سياف الزهور/ إلا أنه استفاد من شللية العصر فسطع نجمه .
ويبدوا أن الشاعر الذي يمتلك أدواته ولا يعمل على معاداة الأصل والهوية تبقى المقدرة لديه على تجسيد الحالة الشعرية والقيمة سهلة و في متناول ذهنه وقلبه وقلمه يقول الشاعر الدريس في موال :
يا نهار الوباء أناديك ... كي أقرأ الوطن الملح في سفر أوجاعي القائمة
يا نهار الوباء .... شهي دمي ... وله طعم خمر عتيق ..
له لون أيامنا ..... وطيور انكساراتنا الواهنة ...حين تسقط فوق جراح الماء الكثيب
جل ما يصبو إليه أحمد الدريس أن يجسد نظرية الحق الطالعة من عند الله عبر الكتب السماوية .. أحمد الدريس شاعر استطاع أن يكون لنفسه مجموعة حب عبر وطنه الممتد زهراً و عبقا" .

الشاعر
Admin

المساهمات : 76
تاريخ التسجيل : 09/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى